التحليلات البلاغية في قصيدة واحر قلباه

استكشاف التحليلات البلاغية في قصيدة واحر قلباه للمتنبي. تعرف على المتنبي وأبرز أبيات القصيدة ودلالاتها البلاغية.

دراسة الصور البلاغية في قصيدة واحر قلباه

تزخر قصيدة “واحر قلباه” للمتنبي بالعديد من الصور البلاغية الرائعة. فيما يلي تحليل لبعض هذه الصور في الأبيات الشهيرة:

واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ
وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

“حر قلباه”: هنا نجد استعارة مكنية بديعة. الشاعر يشبه الحزن العميق الذي يعتصر قلبه بنار ملتهبة. فقد حذف المشبه به (النار) وأبقى على شيء من لوازمه وهو كلمة “حر”. هذه الصورة تزيد من تجسيد المعنى وتوضحه للقارئ.

مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي
وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ

“أكتم حباً”: هذه العبارة تحمل كناية عن شدة العشق الذي يملأ قلب الشاعر.
“حباً قد برى جسدي”: استعارة مكنية تصور الحب كمرض ينهك الجسد. المشبه هو الحب، والمشبه به هو المرض (محذوف) مع الإشارة إليه بـ “برى جسدي”. يبرز البيت مقابلة جميلة بين إخلاص المتنبي في حبه وادعاء المنافقين حب سيف الدولة.

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي
فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ

“يا أعدل الناس”: أسلوب النداء هنا يستخدم بغرض العتاب الرقيق.
“الخصم والحكم”: طباق يوضح التناقض في موقف المخاطب.

أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً
أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

في هذا البيت تشبيه ضمني رائع، حيث يشبه الشاعر من يخطئ في تقدير الأمور بمن يرى الورم في الجسد ويظنه شحماً وسمنة. كما نجد طباق بين كلمتي “شحم” و”ورم”.

وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ
إِذا اِستَوَت عِندَهُ الأَنوارُ وَالظُلَمُ

“أخي الدنيا”: كناية عن الإنسان بشكل عام.
“الأنوار، الظلم”: طباق يبرز أهمية التمييز بين الحق والباطل.

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي
وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

“نظر الأعمى الى أدبي”: كناية بليغة عن عظمة الشاعر وقدرته الأدبية الفائقة.
يحتوي البيت على طباق بين “نظر” و “الأعمى”، وكذلك بين “أسمعت” و “صمم”. البيت بأكمله يعبر عن فخر واعتزاز الشاعر بنفسه.

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني
وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

استعارة مكنية حيث يشبه الخيل والليل بإنسان يعرف، مع حذف المشبه به والإبقاء على صفة المعرفة. جناس ناقص بين كلمتي “الخيل” و “الليل”. مراعاة نظير بين “القرطاس” و “القلم” حيث يذكر الشيء وما يرتبط به.

يا مَن يَعِزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم
وِجدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ

طباق بين كلمتي “وجداننا” و “عدم” يوضح حجم الخسارة.

إذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا
أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

طباق بين “ترحلت” و “تفارقهم”. والبيت يحمل كناية عن قرار الشاعر بالرحيل.

شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ

طباق بين “يكسب” و “يصم”. البيت يحمل حكمة قيمة.

هَذا عِتابُكَ إِلّا أَنَّهُ مِقَةٌ
قَد ضُمِّنَ الدُرَّ إِلّا أَنَّهُ كَلِمُ

يوجد في البيت استعارة تصريحية: شبه كلماته بالدر، فصرح بالمشبه به: وهو الدر، وحذف المشبه: وهي الكلمات. في البيت بيان أن القصيدة كلها عتاب بما تحويه من تنبيه وتوجع.

نبذة عن حياة المتنبي

هو أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، ولد في الكوفة عام 303 هـ وتوفي عام 354 هـ. اشتهر بشعره وحكمته منذ صغره، ورحل في طلب العلم والأدب، وخبر أيام العرب. لقب بالمتنبي بسبب ادعائه النبوة في بادية السماوة، مما أدى إلى أسره من قبل أمير حمص لؤلؤ، ثم تاب وعاد.

تنقل بين الأمراء مادحاً إياهم طمعاً في العطايا، وحظي بمكانة مرموقة لدى سيف الدولة الحمداني. ثم انتقل إلى كافور الإخشيدي، فمدحه طالباً الولاية، إلا أن كافور رفض، مما أثار غضب المتنبي وهجاه. بعدها، تنقل بين العراق والشام وفارس يمدح الأمراء. كانت نهاية المتنبي على يد فاتك الأسدي، خال ضبة الذي هجاه المتنبي، فقتله وقتل ولده.

أبيات من قصيدة واحر قلباه

فيما يلي بعض الأبيات من القصيدة:

واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِمُ
وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي
وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ

إِن كانَ يَجمَعُنا حُبٌّ لِغُرَّتِهِ
فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ

قَد زُرتُهُ وَسُيوفُ الهِندِ مُغمَدَةٌ
وَقَد نَظَرتُ إِلَيهِ وَالسُيوفُ دَمُ

فَكانَ أَحسَنَ خَلقِ اللَهِ كُلِّهِمِ
وَكانَ أَحسَنَ مافي الأَحسَنِ الشِيَمُ

فَوتُ العَدُوِّ الَّذي يَمَّمتَهُ ظَفَرٌ
في طَيِّهِ أَسَفٌ في طَيِّهِ نِعَمُ

قَد نابَ عَنكَ شَديدُ الخَوفِ وَاِصطَنَعَتلَكَ المَهابَةُ مالا تَصنَعُ البُهَمُ

أَلزَمتَ نَفسَكَ شَيئاً لَيسَ يَلزَمُهاأَن لا يُوارِيَهُم أَرضٌ وَلا عَلَمُ

أَكُلَّما رُمتَ جَيشاً فَاِنثَنى هَرَباًتَصَرَّفَت بِكَ في آثارِهِ الهِمَمُ

عَلَيكَ هَزمُهُمُ في كُلِّ مُعتَرَكٍوَما عَلَيكَ بِهِم عارٌ إِذا اِنهَزَموا

أَما تَرى ظَفَراً حُلواً سِوى ظَفَرٍتَصافَحَت فيهِ بيضُ الهِندِ وَاللِمَمُ

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتيفيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ

أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةًأَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِإِذا اِستَوَت عِندَهُ الأَنوارُ وَالظُلَمُ

سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنابأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبيوَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِهاوَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ

وَجاهِلٍ مَدَّهُ في جَهلِهِ ضَحِكيحَتّى أَتَتهُ يَدٌ فَرّاسَةٌ وَفَمُ

إِذا رأيتَ نُيوبَ اللَيثِ بارِزَةًفَلا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَيثَ يبتَسِمُ

وَمُهجَةٍ مُهجَتي مِن هَمِّ صاحِبِهاأَدرَكتُها بِجَوادٍ ظَهرُهُ حَرَمُ

رِجلاهُ في الرَكضِ رِجلٌ وَاليَدانِ يَدٌوَفِعلُهُ ما تُريدُ الكَفُّ وَالقَدَمُ

وَمُرهَفٍ سِرتُ بَينَ الجَحفَلَينِ بِهِحَتّى ضَرَبتُ وَمَوجُ المَوتِ يَلتَطِمُ

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُنيوَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

صَحِبتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ مُنفَرِداًحَتّى تَعَجَّبَ مِنّي القورُ وَالأَكَمُ

يا مَن يَعِزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُموِجدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ

ما كانَ أَخلَقَنا مِنكُم بِتَكرُمَةٍلَو أَنَّ أَمرَكُمُ مِن أَمرِنا أَمَمُ

إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِدُنافَما لِجُرحٍ إِذا أَرضاكُمُ أَلَمُ

وَبَينَنا لَو رَعَيتُم ذاكَ مَعرِفَةٌإِنَّ المَعارِفَ في أَهلِ النُهى ذِمَمُ

كَم تَطلُبونَ لَنا عَيباً فَيُعجِزُكُموَيَكرَهُ اللَهُ ما تَأتونَ وَالكَرَمُ

ما أَبعَدَ العَيبَ وَالنُقصانَ عَن شَرَفيأَنا الثُرَيّا وَذانِ الشَيبُ وَالهَرَمُ

لَيتَ الغَمامَ الَّذي عِندي صَواعِقُهُيُزيلُهُنَّ إِلى مَن عِندَهُ الدِيَمُ

أَرى النَوى تَقتَضيني كُلَّ مَرحَلَةٍلا تَستَقِلُّ بِها الوَخّادَةُ الرُسُمُ

لَئِن تَرَكنَ ضُمَيراً عَن مَيامِنِنالَيَحدُثَنَّ لِمَن وَدَّعتُهُم نَدَمُ

إذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَرواأَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

شَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِوَشَرُّ ما يَكسِبُ الإِنسانُ ما يَصِمُ

وَشَرُّ ما قَنَصَتهُ راحَتي قَنَصٌشُهبُ البُزاةِ سَواءٌ فيهِ وَالرَخَمُ

بِأَيِّ لَفظٍ تَقولُ الشِعرَ زِعنِفَةٌتَجوزُ عِندَكَ لا عُربٌ وَلا عَجَمُ

هَذا عِتابُكَ إِلّا أَنَّهُ مِقَةٌقَد ضُمِّنَ الدُرَّ إِلّا أَنَّهُ كَلِمُ

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تحليل بلاغي في لامية العجم للطغرائي

المقال التالي

تحليل جماليات معلقة امرئ القيس (قفا نبكِ)

مقالات مشابهة

فن التهكم الشعري في الحقبة العباسية

استكشاف فن التهكم الشعري خلال العصر العباسي، مع التركيز على خصائصه الفريدة، وميادينه المتنوعة، وأشهر رواده. يتناول المقال تهكم الخلفاء والوزراء، وانعكاساته على المجتمع، بالإضافة إلى التنافس بين الشعراء.
إقرأ المزيد