مقدمة
من عظيم نعم الله علينا أن أنزل القرآن الكريم وجعله نورًا وهدىً وشفاءً للصدور. ففيه عزاء للمؤمنين ودواء للأدواء. وقد جعل الله لنا في كتابه العزيز شفاءً لأمراض القلوب والأبدان على حد سواء. ومن بين الطرق التي يلجأ إليها البعض للاستشفاء بالقرآن الكريم هي قراءته على الماء ثم شربه أو الاغتسال به. فما هو الأصل الشرعي لهذه الممارسة؟ وما هي الضوابط والآداب المتعلقة بها؟
الرأي الشرعي في قراءة القرآن على الماء
لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قام بقراءة القرآن على الماء للاستشفاء. لكن وردت بعض الآثار التي تشير إلى جواز الرقية بالماء. وأقرب ما يدل على ذلك ما ورد في شأن ثابت بن قيس حيث:
(أنّ النّبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- دخل عليه وهو مريضٌ فقال: (اكشف البأس رب الناس عن ثابت بن قيس بن الشّمّاس) ثمّ أخذ ترابًا من بطحانٍ فجعله في قدحٍ فيه ماءٌ فصبّه عليه)
وهذا الحديث يشير إلى جواز الرقية بالماء للمريض. وقد أجاز ذلك عدد من العلماء الأفاضل، منهم المزني صاحب الإمام الشافعي، وأبو جعفر الطبري، ووهب بن منبه -رحمهم الله-. بل ورد أن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- قرأ على الماء لابنه صالح عندما مرض.
ويستند المجيزون لهذه المسألة إلى عموم قوله تعالى:
(وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ وَلا يَزيدُ الظّالِمينَ إِلّا خَسارًا)
فالآية الكريمة تدل على أن القرآن شفاء، وهذا الشفاء قد يكون بطرق متعددة، منها القراءة على الماء.
طريقة القراءة الصحيحة على الماء
إن كيفية القراءة على الماء بسيطة وميسرة، ويمكن للمريض أن يقوم بها بنفسه، أو أن يطلب من شخص آخر القيام بذلك نيابة عنه. والطريقة هي:
- إحضار إناء به ماء نظيف.
- الاقتراب من الإناء والقراءة بصوت مسموع، مع الحرص على عدم توجيه الأنف أو الفم مباشرة إلى الماء، حتى لا يصل النفس إليه.
- يجوز النفث برفق في الماء أثناء القراءة.
- بعد الانتهاء من القراءة، يمكن شرب الماء، أو الاغتسال به، أو صبه على الجسم.
حكم الاغتسال بالماء المقروء عليه
يجوز شرعًا الاغتسال بالماء الذي قرئ عليه القرآن الكريم، تمامًا كما يجوز شربه. ولكن يجب مراعاة بعض الأمور الهامة عند الاغتسال بهذا الماء، وهي:
- يجب الاغتسال في مكان طاهر ونظيف، مع مراعاة حرمة القرآن الكريم.
- لا يجوز الاغتسال في مكان نجس، أو مكان يمر به الناس، وذلك حفاظًا على قدسية الماء المقروء عليه.
- يجب الحرص على عدم وصول الماء المتساقط أثناء الاغتسال إلى البالوعات أو الأماكن التي قد تكون بها نجاسة.
كيفية التخلص من الماء بعد الاستعمال
حرصًا على حرمة القرآن الكريم، فقد اهتم الفقهاء ببيان كيفية التخلص من الماء الذي استُخدم بعد القراءة عليه والاغتسال به. وقد ذكروا أنه ينبغي صب هذا الماء في مكان طاهر، مثل:
- في البحر أو النهر الجاري.
- في بئر عميقة.
- في أرض طاهرة لا يدوسها الناس.
والهدف من ذلك هو الحفاظ على حرمة الماء وعدم تعريضه للامتهان.
توصيات ختامية
عند اللجوء إلى هذه الطريقة للاستشفاء، يجب على المسلم أن يعتقد جازمًا بأن الشفاء هو من عند الله وحده، وأن الماء المقروء عليه القرآن ليس إلا سببًا من الأسباب التي قد يأذن الله بها للشفاء. كما يجب أن يكون الاغتسال أو الشرب بنية صادقة وإيقان بالله تعالى، وليس على سبيل التجربة. وينبغي على المسلم أيضًا أن يحرص على الابتعاد عن المعاصي والذنوب، وأن يلتزم بطاعة الله تعالى، حتى يكون أقرب إلى إجابة الدعاء والشفاء.
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يطلب من ابنه أن يشرب من الماء الذي قرأ عليه، وأن يغسل به وجهه ويديه، وهذا يدل على أن الشرب من الماء والاغتسال به كلاهما جائز.
وختامًا، نسأل الله العظيم أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يجعل القرآن الكريم شفاءً لنا وهدىً ونورًا.








