الانتحال الأدبي: مفهومه وكيفية تفاديه

تعريف الانتحال الأدبي وأهميته، مع استعراض القواعد القديمة لتمييزه، وأساليب الكشف عنه، وخطوات أساسية لتجنبه وتقليل مخاطره.

مقدمة

تتعدد أشكال الكتابات والإبداعات الأدبية، وتتنوع الأبحاث العلمية والدراسات في مختلف المجالات. ونتيجة لهذا التنوع، تظهر أشكال مختلفة من الانتحال الأدبي والفكري. من المهم الإشارة إلى أن أكثر أنواع الانتحال الأدبي شيوعًا هو الذي يقع في الأبحاث العلمية ورسائل الدراسات العليا. فالانتحال الأدبي له عواقب وخيمة على النزاهة العلمية.

توضيح مفهوم الانتحال الأدبي

يمكن تعريف الانتحال الأدبي بأنه: الاعتداء المتعمد بنسبة الأفكار والنصوص والاختراعات إلى شخص آخر غير المؤلف الأصلي للنص أو المخترع الأول. هو شكل من أشكال التزوير المتعمد، ويؤخذ على محمل الجد في جميع الحالات. يعتبر الانتحال جريمة يعاقب عليها القانون في معظم الدول العربية والأجنبية. أما في حالات الانتحال الأدبي في الرسائل العلمية وأبحاث الدراسات العليا، فقد تصل العقوبة إلى حرمان الطالب من بعض المقررات أو الفصل النهائي من الجامعة.

أسس التمييز القديمة للانتحال الأدبي

قد يتبادر إلى الذهن أن الانتحال الأدبي ظاهرة حديثة، ولكن الحقيقة خلاف ذلك. فقد عرف الانتحال الأدبي في الشعر العربي القديم، وكانت المدرسة القديمة في النقد الأدبي متشددة في التدقيق والتحري عن الانتحال الأدبي، حتى لو شمل بيت القصيدة بأكمله، أو كلمة فيه، أو حتى المعنى، والفقرة، والعبارة. أما مدرسة النقد الحديثة فهي أقل تشددًا من سابقتها، وقد تتساهل في التعامل مع التشابه والاقتباس والتكرار وتحوير الألفاظ.

وضع النقاد والشعراء القدماء مجموعة من الضوابط والقواعد التي تتيح لهم التمييز بين النص المسروق وغيره. وضبطوا عددًا من أنواع التكرار والتشابه التي تحمي صاحبها من تهمة الانتحال الأدبي. لا يعتبر من يستخدم تلك الأنماط سارقًا أو متعديًا على نص غيره، ومنها:

  • المشتركات: وهي ما يشترك فيه عامة الناس من مشاعر وهواجس وأحوال، مثل: الحزن والخوف والفرح والخيبة والرجاء والأمل.
  • المرئيات: وهي كل ما يراه الناس من مناظر طبيعية، كغروب الشمس وشروقها. قد يتشابه الكتاب في وصف جمال شروق الشمس ودفء غروبها مثلاً.
  • اتحاد الفكرة: فالمدح والهجاء والرثاء والفخر والامتنان والغزل ما هي إلا أفكار عامة يشترك في وصفها وتدوينها وتحليلها المؤلفون والشعراء قديمًا وحديثًا.
  • الشيوع: وهو التكرار. قد يتداول الشعراء معنى من المعاني الدارجة، ومع تكراره وكثرة تداوله يصبح المعنى شائعًا ومنتشرًا بين عامة الناس.
  • الإحسان: أن يحسن الشاعر أو الكاتب من صياغة إحدى المعاني الرديئة التي استخدمها شاعر قبله.
  • الإضافة: إضافة بُعد جمالي معين إلى معنى سابق، فيعطيه رونقًا مختلفًا وثقلاً وعمقًا أكبر من المعنى الأصلي الذي سبقه.
  • النَّقض: أن يأتي الشاعر بمعنى يناقض فيه قول شاعر آخر.
  • التوليد: أن ينشئ الشاعر معاني جديدة من مفردات وتراكيب سابقة، بحيث يولد الاستخدام الجديد للتراكيب معنى آخر.
  • توارُد الخواطر: أن يروي شاعران وصفهما لمنظر ما أو لشعور معين، فيتشابه الوصفان دون علم منهما أو تعمد.
  • الاستبطان: بسبب كثرة مطالعة الشعراء والكتاب وغزارة معرفتهم بالشعر، قد يبني الشاعر رؤية جديدة لتصور ما قد جمعه من قراءاته واستودعها في عقله الباطن وخياله. وحينما يستدعيها بتلقائية، قد ينسى أصل المصادر التي كونتها فيه وركبت معناها عنده.
  • الالتقاط: كالاستبطان، إلا أنه يجمع مما تتناقله أفواه الناس ومما يشيع على ألسنتهم من أخبار وأوصاف وأمثال وحكايا.
  • التضمين والاستعانة: أن يضمن الشاعر بيتًا لغيره في قصيدته، مستعينًا بتركيبه على سبيل التمثيل، ويشترط أن يمهد لهذا الاقتباس على أنه مأخوذ من غيره.

سبل الكشف عن الانتحال الأدبي

مع تزايد عدد الصحف والنشرات والأبحاث والمقالات والمؤلفات وتعدد وسائل النشر الورقية والإلكترونية، فإن التحقق من حقيقة المحتوى المكتوب أو المنقول واكتشاف ما إذا كان يحتوي على أي انتحال أدبي يعد أمرًا صعبًا. لذلك ظهرت عدة برامج وأدوات تساعد على تحليل النصوص والتحقق من مرجعيتها ومدى أصالة محتواها، أو مدى التلاعب فيها وتزييف حقيقتها. توجد برامج ومواقع إلكترونية تقدم هذه الخدمة مجانًا، وأخرى مدفوعة الثمن.

قبل اختيار الموقع الإلكتروني أو البرنامج الحاسوبي المخصص لذلك، يجب التحقق من عدد اللغات التي يتيحها في عمليات البحث. هناك مواقع تجري عمليات بحثها ضمن عدد كبير من اللغات، إضافة إلى التحقق من سرعة الاستخدام وسهولته. بعض النسخ المجانية تكون بطيئة جدًا ومعقدة، بعكس النسخ المدفوعة. يجب التأكد من عدد الكلمات أو الأحرف المسموح بإدخالها للتحقق منها. هناك مواقع تتيح رفع عدد معين من الكلمات شهريًا. من الجدير بالذكر أنه لا بد من معرفة آلية عمل التدقيق المعمول بها في الموقع الإلكتروني للحصول على نتائج أكثر دقة، فبعض المواقع تبحث في كل كلمة في المقال أو البحث المراد التحقق منه، والبعض الآخر يقسم المقال إلى عدة جمل يتم التحقق منها مجتمعة، وهذا يؤثر بشكل واضح في دقة النتائج وصحتها.

إجراءات لتفادي الانتحال الأدبي والحد منه

فيما يلي مجموعة من النصائح لكتاب الأبحاث العلمية والمؤلفين لحماية مؤلفاتهم من الانتحال الأدبي:

  • المعرفة الجيدة بأساليب الانتحال الأدبي والثغرات التي يستغلها المعتدون. هذه المعرفة تشكل حصنًا ضد الاعتداءات، بالإضافة إلى الإلمام بأدوات وبرامج الكشف عن الانتحال الأدبي والاستعانة بها في كافة النصوص المكتوبة والمدرجة في المؤلف أو الرسالة الجامعية.
  • الإلمام والخبرة الكافية بقواعد وقوانين كتابة البحث العلمي، بما في ذلك الاستدلال والاقتباس والإسناد إلى المراجع الموثوقة والتحقق من موثوقيتها.
  • عدم التعدي على حقوق النشر. الحقائق لا تخضع لقوانين النشر، وبالتالي يمكن نشرها ضمن المؤلف، إلا أن التعبير المبتكر في وصف حقيقة ما أو تفسيرها يقع ضمن دائرة حقوق النشر. لذلك، لا بد من الأخذ بالأحوط عند الشك وذكر صياغة المصدر كاملة ضمن الاقتباس.
  • العلم بما لا تلزم نسبته إلى المصدر، مثل: الوقائع التاريخية المثبتة، والتجارب الشخصية، والأفكار الخاصة غير المنشورة في كتاب أو بحث سابق، وأيضًا الأعمال الخاصة المصورة، أو العروض التوضيحية الخاصة التي تم تقديمها وإعدادها، وكذلك النتائج العلمية التي توصل إليها الباحث أثناء بحثه واستطلاعاته للرأي. تندرج ضمن هذا البند: الملاحظات البديهية، والفلكلور الشعبي، وحكايات الناس.

قال الله تعالى في سورة الإسراء، الآية 36: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا”

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا” (صحيح مسلم).

خلاصة

يعد الانتحال الأدبي قضية خطيرة تتطلب وعيًا واهتمامًا من جميع الكتاب والباحثين. من خلال فهم مفهوم الانتحال، واتباع الإرشادات المناسبة، يمكن تجنب الوقوع في هذا الخطأ الأخلاقي والقانوني.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

السدر: كنز طبيعي لجمال شعرك

المقال التالي

السعديون والعلويون: نظرة تاريخية

مقالات مشابهة