فهرس المحتويات
الرأي الشرعي في التبرع بالأعضاء
يتوقف الحكم الشرعي في مسألة التبرع بالأعضاء على نوع العضو المتبرع به، وأثر ذلك على حياة المتبرع. فإذا كان العضو المتبرع به حيويًا ولا يمكن للشخص العيش بدونه، مثل القلب أو الكبد، فإن جمهور العلماء يحرمون التبرع به، وذلك لأنه يؤدي إلى زهق الروح.
أما إذا كان العضو غير حيوي، أي أن التبرع به لا يؤدي إلى موت المتبرع، مثل الكلية أو جزء من الكبد، فقد اختلف العلماء في حكم التبرع به على قولين:
- الرأي الأول: يرى عدم جواز التبرع بالأعضاء البشرية ونقلها بشكل عام.
- الرأي الثاني: يجيز التبرع، وهو الرأي الذي تبنته العديد من المؤتمرات الفقهية وهيئات الفتوى في مختلف الدول، وهو ما يميل إليه غالبية العلماء المعاصرين. وعند الإقدام على التبرع، يجب التحقق من الفائدة المرجوة من العملية، وأن تكون المصلحة المتحققة من التبرع أكبر من الضرر المحتمل على المتبرع، وأن يكون الهدف من التبرع هو استعادة وظيفة العضو المصاب، أو إصلاح عيب فيه، أو تعويض عضو مفقود، أو إزالة مشكلة تسبب أذىً جسديًا أو نفسيًا للمريض.
كما ورد في السنة النبوية ما يدل على أهمية إنقاذ حياة المسلم ومساعدته وتفريج كربه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” (رواه مسلم).
ضوابط التبرع بالأعضاء بعد الوفاة
تباينت آراء الفقهاء في مسألة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة. فمنهم من تردد في إجازته احترامًا لحرمة الموتى، بينما أجازه البعض الآخر استنادًا إلى قاعدة تقديم مصلحة الأحياء على مصلحة الحفاظ على حرمة الأموات.
وضع العلماء عدة شروط لإجازة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، منها:
- ألا يكون التبرع بالأعضاء مؤثراً على النسب أو الوراثة، مثل التبرع بالخصية أو المبيض أو خلايا الجهاز العصبي.
- أن يكون المتبرع بالغًا، عاقلاً، ورشيداً.
- أن يكون المتبرَّع له معصوم الدم، أي مسلماً أو غير مسلم مسالم. أما إذا كان المتبرَّع له غير مسلم محارب للمسلمين، فلا يجوز التبرع له، لأنه يعتبر مهدور الدم في الشريعة الإسلامية.
وقد استدل العلماء على جواز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة بالعديد من الأدلة الشرعية، منها قول الله تعالى: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة: 32)، فالتبرع بالأعضاء يعتبر إحياء لنفس بشرية، وبالتالي فهو عمل مشروع ومأجور.
حكم الاتجار بالأعضاء البشرية
يحرم بيع الأعضاء البشرية أو أي جزء منها سواء كان ذلك في حياة الشخص أو بعد وفاته. وذلك لما يترتب على ذلك من مفاسد، مثل الإضرار بصحة الإنسان وتعطيل وظائفه الحيوية. كما أن بيع الأعضاء يعتبر تصرفًا في ملك الغير دون إذنه.
وبالمثل، لا يجوز بيع الدم سواء كان ذلك لاستخدامه في العلاج أو في غيره.
وقد أجمع العلماء على حرمة بيع الأعضاء البشرية، وذلك لما في ذلك من امتهان لكرامة الإنسان، وتحويل جسده إلى سلعة تجارية. كما أن بيع الأعضاء قد يؤدي إلى استغلال الفقراء والمحتاجين، وإجبارهم على بيع أعضائهم مقابل المال.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “بيع أعضاء الآدمي لا يجوز؛ لأن الآدمي ليس مالكاً لأعضائه، بل هي ملك لله عز وجل، فلا يجوز للإنسان أن يتصرف فيها بالبيع أو الهبة إلا بإذن الشارع، والشارع لم يأذن في ذلك، بل نهى عنه”








