أقسام الله على وقوع الجزاء
تبدأ سورة الذاريات بأقسام جليلة من الله سبحانه وتعالى، مطلعها الآيات الست الأولى، حيث يقسم بالذاريات، وهي الرياح التي تذرو التراب وغيره، ثم بالحاملات وقراً، وهي السحب المحملة بالأمطار، ثم بالجاريات يسراً، وهي السفن الجارية في البحار بسهولة، وأخيراً بالمقسمات أمراً، وهم الملائكة الذين يقسمون الأرزاق والأمور بين العباد بأمر الله.
هذه الأقسام العظيمة من الله تعالى تجد جوابها في قوله تعالى: “وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ” (الذاريات: 6)، ليؤكد سبحانه أن الجزاء والحساب واقع لا محالة. فكما أقسم الله بهذه المخلوقات العظيمة، فإنه ينبه إليها ويدعو إلى التأمل فيها، ليدرك الإنسان أن وعد الله بالبعث والجزاء هو حق لا ريب فيه.
إن الجزاء على الأعمال آتٍ لا محالة، فعلى الناس أن يعتبروا ويتعظوا، وخاصة أهل مكة الذين خوطبوا بهذه السورة المكية، ليعلموا صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، اقتداءً بعادتهم في القسم والأيمان.
أوصاف المتقين وثوابهم
تولي السورة اهتماماً خاصاً بذكر صفات المتقين وجزائهم، وذلك من الآية الخامسة عشرة إلى الآية الثالثة والعشرين. والجدير بالذكر أن الحديث عن المتقين يأتي بعد الحديث عن المشركين وعاقبتهم الوخيمة، وهو أسلوب قرآني حكيم يهدف إلى الترهيب والترغيب، ويدعو الإنسان إلى سلوك الطريق القويم وتجنب الابتعاد عن الحق، والانضمام إلى زمرة المتقين.
يخبرنا الله تعالى عن المتقين بأنهم ينعمون في جنات عظيمة، يأخذون من النعم ما يشتهون وزيادة، وهذا هو جزاء إحسانهم في الحياة الدنيا. وتذكر الآيات الكريمة صوراً من هذا الإحسان:
- المحافظة على قيام الليل.
- الاستغفار في وقت السحر.
- التصدق بأموالهم للسائل والمحروم.
بشارة سيدنا إبراهيم
تتناول الآيات من (24-30) قصة مجيء ملائكة كرام إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث أكرمهم إبراهيم الخليل وقدم لهم عِجلاً سميناً ليأكلوا منه، لكنهم امتنعوا عن الأكل، مما أثار توجسه وخوفه منهم. فأخبروه بأنهم ملائكة أرسلوا ببشارة له بأنه سيرزق بغلام حليم.
ولشدة دهشة زوجة إبراهيم عليه السلام وتصديقها لهذه البشارة، ضربت وجهها وقالت: “عَجُوزٌ عَقِيمٌ” (الذاريات: 29)، فجاءها الرد من الملائكة بأنه لا عجب في قدرة الله، فالأمر بيده سبحانه وتعالى، لا يعجزه شيء إذا أراده.
هلاك قوم لوط
زارت الملائكة أيضاً سيدنا لوط عليه السلام، ولم يجدوا في قريته غير بيت واحد من المسلمين، وهم لوط وابنتاه. أنكرهم لوط في البداية لعدم معرفته بهم، فأخبروه بحقيقتهم ورسالتهم، وأنهم جاؤوا لإنقاذه ومن معه من المؤمنين.
وأمروه بأن يسير بأهله في الليل دون أن يلتفت أحد منهم، إلا امرأته، فقد قُضي عليها بالهلاك وكانت من الظالمين. وعندما خرج لوط وابنتاه، قلب الله ديارهم وجعل عاليها سافلها، وأرسل عليهم حجارة من سجيل، وجعلهم عبرة للمعتبرين.
عاقبة الأمم التي كذبت الرسل
تحذر سورة الذاريات الناس والمشركين من الاستمرار في شركهم، وتضرب لهم الأمثال بأمم سابقة كذبت الرسل ونالوا عاقبة تكذيبهم. ومن هؤلاء فرعون وجنوده، الذين بعد أن جاءتهم البينة الواضحة، أعرضوا وتولوا، فأخذهم الله وجنوده وأغرقهم.
وبعد ذكر هلاك فرعون ومن معه، تتحدث الآيات عن قوم عاد وإهلاكهم بالريح العقيم، وقوم ثمود الذين أهلكوا بالصاعقة، وقوم نوح الذين أغرقهم الله بسبب عصيانهم وخروجهم عن أمره.
دلائل قدرة الله
بعد ذكر مصائر الأمم المكذبة، يذكر الله سبحانه وتعالى بعض الأدلة والبراهين الظاهرة الدالة على قدرته، وإنذاراً للناس عامة ومشركي مكة خاصة، فإذا أرادوا الخير لأنفسهم والنجاة من مثل ذلك العذاب المتقدم، فليس عليهم إلا الإقرار بوجود الله ووحدانيته وعبادته وحده، فإن أصروا على موقفهم، فإن العذاب واقع بهم حتماً.
ففي الآيات دلالة واضحة على قدرة الله في الخلق والإحياء والإهلاك، وتذكير للإنسان بضعفه وعجزه أمام قدرة الخالق العظيم.
“وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ” (الذاريات: 20-23)
صدق الله العظيم.








