مقدمة
سورة الضحى، من السور المكية التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في فترة حرجة، حيث انقطع الوحي لفترة، مما أثار قلق النبي صلى الله عليه وسلم وشكوك بعض المشركين. هذه السورة تمثل بلسمًا شافيًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأكيدًا على استمرار رعاية الله له ومحبته.
تفصيل آيات السورة
سنقوم بتحليل آيات سورة الضحى، لاستخلاص الدروس والعبر المستفادة منها:
إضاءات حول الآية الأولى (وَالضُّحَىٰ)
يبدأ الله سبحانه وتعالى السورة بالقسم بالضحى، وهو وقت ارتفاع الشمس وشدة ضوئها. هذا القسم ليس مجرد بداية، بل هو تأكيد على عظمة الله وقدرته، وإشارة إلى بداية مشرقة بعد فترة من الظلام أو الصعوبة. والمعنى من قسمه والضحى: أي وربّ الضحى وخالقها، فأقسم الله -تعالى- في هذه الآية؛ ليكون جواب القسم أنّه ما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- وما تخلّى عنه، ومنذ أحبّه لم يبغضه وفيها إشارة لمطلع شمس النّبوة ولن يقف مطلعها عند الحدّ الذي بلغه.
نظرات في الآية الثانية (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ)
ثم يقسم الله بالليل إذا سجى، أي إذا سكن وهدأ. هذا القسم يكمل الصورة، فبعد ضياء الضحى يأتي سكون الليل. فكلمة سجى تعني السكن، فالليل عندما يسجو يُغطّي النهار، وقُدّم ذكر الضّحى على الليل بعكس سورة الليل التي تقدم فيها ذكره على ذكر النّهار؛ لأنّ السورة تُخاطب النّبي -صلى الله عليه وسلم- وفيها دلالة على اعتناء الله في الرسول -عليه الصلاة والسلام- وأنّ فترة انتقطاع الوحي عنه لم تكن إلا فترة هدوء ليستجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه، وأنّ بعد هذا الليل سيأتي النور فهكذا نظام الكون.
تأملات في الآية الثالثة (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ)
هذه الآية هي الجواب على القسمين السابقين، وهي قلب السورة. يطمئن الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه لم يتركه ولم يبغضه. هذه الآية نزلت ردًا على ما قاله المشركون من أن الله قد ودع محمدًا. ويقول الله -سبحانه وتعالى- للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ويُطمئنه أنه لم يتركه ولم يتخلَّ عنه، ردًّا على ما قالته امرأة بحسب ما رواه جندب بن عبد الله -رضي الله عنه-:(قالتِ امْرَأَةٌ: يا رَسولَ اللَّهِ ما أُرَى صَاحِبَكَ إلَّا أبْطَأَكَ فَنَزَلَتْ: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ))، فكلمة ودّعك فيها المبالغة في الوداع وتعني الترك، والقلى؛ هو البغض.
معاني الآية الرابعة (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ)
يعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن الآخرة خير له من الدنيا. هذا وعد عظيم، وتأكيد على أن ما ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة أعظم وأفضل مما قد يفوته في الدنيا. يقول الله -سبحانه وتعالى- مُخاطبًا النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إنّ ما أعده له في الآخرة أعظم وأفضل ممّا في الدنيا، فلا يحزن على ما فاته فيها، فالدار الآخرة خير له من الدّنيا وما فيها، وكلمة الأولى؛ قصد الله فيها الدّنيا.
تأويل الآية الخامسة (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ)
يبشر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعطاء جزيل حتى يرضى. هذا العطاء يشمل النصر، والتمكين، والشفاعة، والمقام المحمود، وغير ذلك من النعم التي لا تحصى. يُبشّر الله -سبحانه وتعالى- النّبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أنّ عطاءه في الآخرة أفضل بكثير مما في الدّنيا، وسيعطيه من الثواب، والمنزلة، والكرامة حتى يرضى النبي -صلى الله عليه وسلم-، واختلف المفسرون في مناسبة هذه الآية، فقيل إنّ القصد فيها قصور من اللؤلؤ وتُرابها المسك قرابة الألف قصر، وقيل إنه شفيع لأمّته حتى يرضى. وقيل بحسب ما رواه جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- بإسناد ضعيف أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-:(دخَلَ رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- على فاطمَةَ -رضيَ اللَّهُ تعالى عنهَا- وهي تطحنُ بالرَّحى, وعليها كساءٌ من وبَرِ الإبلِ, فلمَّا نظرَ إليها بكَى وقال: يا فاطمةُ تجرَّعي مرارةَ الدُّنيا لنعيمِ البد فأُنزِلَ عليهِ: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)).
دلالات الآية السادسة (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ)
يذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بنعمه عليه، فمنّ عليه بالإيواء بعد اليتم. هذا تذكير بأن الله هو الذي رعاه وحفظه منذ صغره. يُعدّد الله في هذه الآية والآيات التي بعدها ما منّه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان يتيمًا فجعل له مأوى عند عمّه أبي طالب، فكفله وحفظه، واليتيم في اللغة؛ مَنْ مات والده قبل البلوغ أي لا أب له.
إيحاءات الآية السابعة (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ)
يذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بنعمة الهداية بعد الضلال. هذا ليس اتهامًا للنبي صلى الله عليه وسلم بالضلال، بل هو تذكير بأن الله هو الذي أنعم عليه بالنبوة والإسلام. يُخاطب الله -سبحانه وتعالى- النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أنّه وجده في ضلال وحبّ للهداية، فأرشده للنبوّة والإسلام، والقصد من الضلال هنا؛ هو غفلته وعدم درايته في القرآن والشريعة فهداه الله لها.
وقفات مع الآية الثامنة (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ)
يذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بنعمة الغنى بعد العيلة. هذا تذكير بأن الله هو الذي رزقه وأغناه. هذه الآية الأخيرة في تعداد المنن، يقول الله -تعالى- مُخاطبًا النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها، وجدتك عائلًا؛ أي فقيرًا، فأغنيتك بمال زوجتك خديجة وتجارتك معها أو من غنائم الغزوات التي أنعم الله عليك بها، وأشارت الآية الكريمة إلى الفرق بين الغنى والثراء، فالثراء لا يمكن أن يكون إلا بالمال، والغنى قد يكون غنى النفس بدون مال.
توجيهات الآية التاسعة (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)
يوجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الإحسان إلى اليتيم وعدم قهره. هذا توجيه عام للمسلمين جميعًا، بأن يعاملوا الأيتام بالرحمة والعدل. أمر الله -سبحانه وتعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتذكّر كيف آواه في يتمه، فأحسن إلى اليتيم وأكرمه، فإكرام اليتيم مما أمرت به الشريعة الإسلامية، قال -تعالى-:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ)، فاليتيم يحتاج إلى من يجبر قلبه ويعوّضه عن غياب والده، ويعلّمه أمور دينه إذا ما بلغ سن السابعة فأكثر، والقصد في كلمة لا تقهر؛ أي لا تذلل ولا تَغلب ولا تظلم.
إرشادات الآية العاشرة (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)
يوجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى عدم نهر السائل. هذا توجيه عام للمسلمين جميعًا، بأن يتعاملوا مع السائلين باللطف والإحسان. أمر الله -سبحانه وتعالى- النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ويُذكره، فكما كنت ضالًا وهديتك، فلا تردّ من استرشدك لأمر من أموره، فالسائل في هذه الآيه إمّا طالب العلم ومسترشده، وإما طالب الصدقة، وفي كلا الحالتين فلا تردّه واقضِ حاجته بحسب قدرتك، والقصد بلا تنهر، أي لا تزجره، والنهي هنا عن الغلط في القول والفعل، فعلى المسلم أن يكتفي بالرد الجميل.
معاني الآية الحادية عشر (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)
يوجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى التحدث بنعمة الله عليه. هذا ليس تفاخرًا، بل هو شكر لله وإظهار لفضله. أمر الله -سبحانه وتعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذكر نعمة الله عليه ويشكره عليها، وكذلك المسلم، فالله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، وأن يظهر فضل الله عليه بالنعم، فلا يُنكر ولا يُقتّر، فعلى المسلم أن يشكر الله قولًا ويشكره عملًا، فيُقرّ بما وهبه الله إياه في الدّنيا فلا يكون بمظهر يوحي بعكس ما أعطاه الله له.
أهمية سورة الضحى في حياة المسلم
سورة الضحى تحمل رسائل مهمة للمسلم، فهي تذكره بنعم الله عليه، وتدعوه إلى الإحسان إلى اليتيم والسائل، وشكر الله على نعمه. كما أنها تبعث الأمل في النفوس، وتؤكد على أن الله لا يترك عباده المؤمنين. سورة الضّحى تحمل في ثناياها العديد من المقاصد والأثر الجميل على حياة الفرد المسلم، ومن آثار السورة ما يأتي: سورة الضحى تُعزّز موقف المسلمين وذلك بردّها على المشركين الذين زعموا ترك الله -سبحانه وتعالى- للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ولم يعد يبعث له الوحي. حملت السورة الكريمة بشارة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّ ما في الآخرة خير وأبقى مما في الحياة الدنيا، فلا يجب أن نحزن عليها. وكما جاء في تفسير ابن كثير: أن الله أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين بإكرام اليتيم والإحسان لهم، وعدم نهرهم وإذلالهم. دعت السورة المسلم إلى التحدّث بما أنعم الله عليه به في الحياة الدنيا، وطلب شكره على هذه النّعم في الأفعال والأقوال. إن لسورة الضّحى أثر كبير على المسلم ففيها ذكر الله -سبحانه وتعالى- أن عطاءه إذا جاء أدهش وأرضى، وفيها ردّ على من قال أنّ الله ودّع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيها الحثّ على شكر الله وانعكاس نعمه على حياة المسلم.
المراجع
- سورة الضحى، آية:1
- أبجعفر شرف الدين،كتاب الموسوعة القرآنية خصائص السور، صفحة 3. بتصرّف.
- “سبب نزول سورة الضحى”،إسلام ويب، 25\11\2004، اطّلع عليه بتاريخ 18\8\2021. بتصرّف.
- سورة الضحى، آية:3
- أبو المظفر السمعاني،تفسير السمعاني، صفحة 242. بتصرّف.
- مكي بن أبي طالب،الهداية إلى بلوغ النهاية، صفحة 8323. بتصرّف.
- د وهبة الزحيلي،التفسير المنير للزحيلي، صفحة 287. بتصرّف.
- عبد الكريم يونس الخطيب،التفسير القرآني للقرآن، صفحة 1599. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن جندب بن عبد الله ، الصفحة أو الرقم:4951، صحيح.
- فخر الدين الرازي،تفسير الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، صفحة 192. بتصرّف.
- أبو جعفر الطبري،تفسير الطبري جامع البيان، صفحة 487. بتصرّف.
- أبو المظفرن، السمعاني،تفسير السمعاني، صفحة 244. بتصرّف.
- رواه العراقي، في تخريج الأحياء، عن جابر بن عبد الله ، الصفحة أو الرقم:287، إسناده ضعيف.
- القرطبي، شمس الدين،تفسير القرطبي، صفحة 96. بتصرّف.
- النسفي، أبو البركات،تفسير النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، صفحة 655. بتصرّف.
- عائشة عبد الرحمن بن الشاطئ،التفسير البياني للقرآن الكريم، صفحة 109. بتصرّف.
- سورة البقرة، آية:220
- ابن العثيمين،كتاب لقاء الباب المفتوح، صفحة 10. بتصرّف.
- حسام الدين عفانة،كتاب فتاوى يسألونك، صفحة 269.
- ابن باز،كتاب مجموع فتاوى ابن باز، صفحة 118. بتصرّف.
- ابن عاشور،التحرير والتنوير، صفحة 394. بتصرّف.
- ابن كثير،تفسير ابن كثير، صفحة 427. بتصرّف.
- جعفر شرف الدين،كتاب الموسوعة القرآنية، صفحة 5. بتصرّف.








