نبذة عن وثيقة العهد العمري
تُعد وثيقة العهد العمري إحدى الاتفاقيات التاريخية الهامة التي أبرمها الخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم، عقب وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. تأتي هذه الوثيقة ضمن سلسلة من المعاهدات التي عقدت مع مختلف الطوائف والأعراق القاطنة في المناطق التي فُتحت في الشام والحجاز وبلاد فارس. تجسدت الخلافة الراشدة، وبالأخص في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كحقبة ذهبية في الفتوحات الإسلامية.
اكتسبت الوثيقة العمرية أهمية بالغة لارتباطها الوثيق بمدينة القدس، المدينة المقدسة التي تحظى بمكانة خاصة في قلوب المسلمين وأتباع الديانات الأخرى. كما أن توقيع هذه الوثيقة بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين زاد من قيمتها التاريخية.
نص الوثيقة هو: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين”.
قيم وعبر مستفادة من العهد
لم تكن بنود هذا العهد مجرد كلمات عابرة أو اتفاقية ذات بنود محددة، بل تجاوزت ذلك لتصبح نموذجاً تاريخياً يعكس عظمة الحضارة الإسلامية وحسن إدارتها. من بين الدروس المستفادة من العهد العمري:
-
تغليب قيمة التسامح على ما سواها:
يتجلى ذلك في موافقة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على إبرام هذه الوثيقة، والسماح بوجودها على الرغم من قدرته على عدم إتمامها وإجلاء المسيحيين من فلسطين والشام. إلا أن التسامح الإسلامي الذي تحلى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان الفيصل في هذا الأمر.
-
إمكانية التعايش بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى:
لقد وافق المسلمون على التعايش مع المسيحيين وغيرهم طالما أنهم يحترمون الدولة التي يعيشون فيها. بل إن الإسلام كفل لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية، كما هو واضح في نص الوثيقة: “ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم”. كما ضمن لهم احترام أماكن عبادتهم، حيث نصت الوثيقة على حماية كنائسهم وعدم هدمها، مما يدحض الاتهامات الباطلة التي تتهم الإسلام والمسلمين بعدم احترامهم للأديان الأخرى والتعايش السلمي.
-
مراعاة مشاعر المسيحيين وعدم الإساءة إلى دينهم:
رفض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصلاة داخل الكنيسة رغم دعوة البطريرك له بذلك، وذلك احتراماً لمشاعر المسيحيين. كما كان لهذا التصرف بعد سياسي، وهو منع المسلمين من تحويل الكنيسة إلى مسجد في المستقبل.
-
عدم إرهاق المسيحيين بما يفوق طاقتهم:
في مسألة الجزية، كما ورد في بعض نسخ العهد، لم يُطلب من المسيحيين دفع ما لا يطيقونه، بل أُعفوا منها عند العجز عن ذلك، مما يعكس سماحة الإسلام مع الآخر.
-
تواضع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:
رغم هيبته وقوته، دخل مدينة القدس متواضعاً لله تعالى هو وخادمه على جمل أورق بثوب مرقوع، زاهداً في الدنيا وملذاتها.
-
احترام المسلمين للعهود والمواثيق:
لقد تم الالتزام بهذه المعاهدة من قبل المسلمين حتى يومنا هذا، ونقض العهود ليس من أخلاق المسلمين. وقد شهد بذلك المسيحيون أنفسهم.
بالإضافة إلى الأهمية الكبيرة والمكانة الرفيعة التي تحتلها مدينة القدس في قلب كل مسلم، وهو ما سنسلط الضوء عليه في القسم التالي.
مكانة القدس في الوثيقة العمرية
تحظى القدس بمكانة عظيمة في الإسلام، ويتضح ذلك جلياً في العهد العمري. وهناك عدة دلالات تؤكد هذه المكانة:
-
زيارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه:
لم يكلف عمر رضي الله عنه أحداً من قادته لإبرام هذه المعاهدة على الرغم من سهولة ذلك، مثل تكليف أبي عبيدة عامر بن الجراح أمين الأمة رضي الله عنه. إلا أن أهمية المسجد الأقصى وعظمة مكانة القدس عند المسلمين دفعته للتوجه بنفسه لإبرام هذه المعاهدة.
-
منع اللصوص وقطاع الطرق من اليهود من السكن والمرور:
منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه اليهود ناقضي العهود من السكن والمرور في أرض فلسطين المباركة، وذلك لفطنته وحسن فراسته، حيث أدرك خطر هذه الفئة الخبيثة.
المصادر
- أبتمنقذ السقار،التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم، صفحة 17. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين،مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، صفحة 225. بتصرّف.
- ابن كثير،البداية والنهاية، صفحة 665. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين،مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 280. بتصرّف.








