إدوارد لي ثورندايك: رائد علم النفس التربوي

استكشاف حياة وإسهامات العالم إدوارد لي ثورندايك، ونظرياته في التعلم، وتأثيره على علم النفس التربوي والتعليم الحديث.

لمحة عن العالم ثورندايك

إدوارد لي ثورندايك، شخصية بارزة في علم النفس الأمريكي، لمع نجمه في بداية القرن العشرين. اشتهر بإسهاماته الجليلة في تطوير منظومة المدارس الحكومية في الولايات المتحدة. يعود الفضل إليه في صياغة إحدى النظريات الهامة في مجال التعلم، والتي ترتبط بشكل وثيق بسلوك الإنسان. تقوم هذه النظرية على فكرة أساسية، وهي أن السلوك الذي يتبناه الفرد يعتمد بشكل كبير على النتائج المترتبة على تجاربه السابقة. يُذكر أن العالم سكينر تأثر بشكل كبير بأعمال ثورندايك، واستند إليها في بناء نظريته التعليمية المعروفة بالسلوكية، والتي تركز على التكيّف الفعّال.

مسيرته وحياته الأكاديمية

ولد ثورندايك في 31 أغسطس 1874 في ويليامسبورج، ماساتشوستس. بدأ رحلته التعليمية في جامعة ويسليان، حيث حصل على درجة البكالوريوس في علم النفس. لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، فواصل دراساته العليا في جامعة هارفارد المرموقة. ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا، حيث نال درجة الدكتوراه وهو في ريعان شبابه، وتحديدًا في سن الثالثة والعشرين. في عام 1900، عقد قرانه على إليزابيث مولتون، وأثمر هذا الزواج عن أربعة أبناء.

خلال مسيرته المهنية، ركز ثورندايك بشكل أساسي على تقييم عملية التعليم وتطوير اختبارات الذكاء. كانت أول وظيفة له في جامعة وسترن ريسرف في أوهايو، حيث عمل كمدرس في كلية المرأة لمدة عام. ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا، حيث أصبح عضوًا في كلية المعلمين. استمر في هذه الوظيفة من عام 1899 حتى تقاعده في عام 1940. بالإضافة إلى عمله الأكاديمي، شغل ثورندايك منصب رئيس الجمعية الأمريكية لعلم النفس في عام 1912، ورئيس الجمعية السيكومترية في عام 1937.

تصوراته في مجال التعليم

المنظور الترابطي

كان العالم ثورندايك من الرواد في علم النفس السلوكي، وقد قام بدراسة متعمقة لعملية التعلم. تمكن من تطوير المنهج التجريبي وصياغة نظرية التعلم، وذلك بعد إجراء سلسلة من التجارب التي أظهرت أن التعلم يحدث من خلال الملاحظة والتجربة والخطأ. من خلال هذه التجارب، استخلص ثورندايك النظرية الترابطية، التي تقوم على التعلم الفعال. بالإضافة إلى ذلك، استندت نظريته على أربعة مبادئ أساسية:

  1. الحفاظ على المحفزات أثناء عملية التعلم لضمان استمراريتها بشكل جيد.
  2. ربط مجموعة من الاستجابات بالنتائج لتحقيق الهدف المطلوب.
  3. قدرة الفرد على تعلم ونقل المعرفة بناءً على تجارب سابقة.
  4. تحديد الذكاء بناءً على الارتباطات بين المثيرات والاستجابات التي يكتسبها الفرد.

ضوابط تفسير النظرية الترابطية

الأسس الرئيسية

أسفرت النظرية الترابطية عن ثلاثة قوانين رئيسية أطلق عليها اسم “قوانين ثورندايك”، وهي: قانون الأثر، وقانون الاستعداد، وقانون التدريب أو التمرين. قانون الأثر يربط العلاقة بين السلوك والنتائج المترتبة عليه، مما يؤثر على استجابة الإنسان لاحقاً لمثل هذا السلوك. بالتالي، يمكن استخدام هذه النظرية لتعديل السلوكيات بناءً على العواقب الناتجة عنها. فالسلوكيات التي تبعتها نتائج جيدة من المرجح أن تتكرر في المستقبل، أما السلوكيات التي تبعتها نتيجة سيئة فلن تتكرر تجنباً للأثر السلبي. من هذا القانون، افترض ثورندايك أن التعليم هو تغير في السلوك البشري كنتيجة للعواقب الناتجة عنه، كما افترض أن الأثر يمكن ملاحظته بشكل واضح، وقد توسع تطبيق القانون ليشمل معظم نواحي الحياة البشرية خاصةً في مجال التعليم وعلم النفس.

كما يرى العالم ثورندايك أن عملية التعلم تدريجية، وتحدث بشكل تلقائي، وتزداد كفاءتها إذا تم استخدامها باستمرار، وهذا ما أطلق عليه اسم “قانون الاستخدام”، أما إذا تعرض التعلم للإهمال فإن العملية التعلمية ستضعف وهذا ما أطلق عليه اسم “قانون الإهمال”، وكلا القانونين يندرجان تحت مسمى “قانون الممارسة أو التدريب” الذي يوضح أهمية وفاعلية التكرار والمراجعة عند التعلم، فبذلك تتم تنمية ومساعدة العقل على التعلم بشكل أفضل، وكان ثورندايك يعتقد أن الجميع يتعلم بالطريقة ذاتها، ويستجيب للمواقف بشكل متشابه.

أما القانون الثالث فهو قانون الاستعداد الذي يعني زيادة القدرة على التعلم بشكل فعال إذا وضعت أهداف واضحة لما يريد الفرد الوصول إليه، وتوفرت الخلفية اللازمة لتعلم أمر ما.

الأسس الثانوية

استنتج العالم ثورندايك مجموعة من القوانين الثانوية للتمكن من حل المشاكل والحصول على استجابة سريعة في التعلم، إذ وضح أن تحديد الموقف الذي يتعرض له الفرد يأتي من الاستجابة الأولى للجهاز العصبي، وبعد ذلك يبدأ العقل بتكوين استجابة ورد فعل مختلف للموقف بالاعتماد على الاستجابة الأولى وتحليلها، وهذا يمكن العقل من حفظ المواقف وربطها بشيء ما يميزها، مما يزيد من سهولة الحصول على الاستجابة عند تنفيذها. أما القوانين الخمسة الإضافية والثانوية فهي:

  1. قانون الاستجابة المتعددة: يعتمد على إجراء سلسلة من المحاولات المتتالية والحصول على استجابات مختلفة في كل مرة، وفي النهاية يتم الوصول إلى نتيجة مُرضية وصحيحة.
  2. قانون الاتجاه أو المنظومة: يشير إلى تأثر عملية التعليم بميول واتجاهات المتعلم، وهذا يشكل ردود واستجابات متفاوتة بين الأشخاص والجماعات.
  3. قانون الاستجابة بالمماثلة أو المناظرة: يعتمد على إحداث استجابة ما عن طريق القياس على موقف سابق مشابه له.
  4. قانون العناصر السائدة: يدل على استجابة الأفراد للعناصر الأكثر شيوعاً وأهمية لبناء الاستجابة السليمة عليها، وإهمال العناصر غير السائدة لحالة معينة.
  5. قانون نقل الارتباط: يشير إلى إمكانية تغير ردود الأفعال والاستجابات باختلاف المحفز.

مآخذ على آراء ثورندايك

تعرضت آراء ثورندايك المتعلقة بالسلوك للانتقاد بسبب القصور في المنهج الذي اتبعه في تفسير السلوك، فاقتصر في تفسيره لسلوك الإنسان على مبدأ واحد وهو مبدأ التحفيز والاستجابة، متجاهلاً أهمية التدخلات الوسطية التي قد تنتج من العلاقة بين هذه المحفزات والاستجابة التي تتبعها، ومن ناحية أخرى تم انتقاد تركيز النظرية على استجابة الفرد للمواقف بناءً على المحفزات المحيطة به، متجاهلاً دور العقل في السلوك الذي يتبناه الفرد في المواقف، ولكونه اعتقد بأن استجابة الفرد لا بد أن تكون ملاحظة وقابلة للقياس.

تصور ثورندايك للعملية التعليمية

اعتقد ثورندايك أن قدرة الفرد على التعلم تبقى فعالة حتى سن 35، حيث تبدأ قدرته بالانخفاض بنسبة قليلة تعادل 1% كل عام بعد هذا السن، وهو اعتقاد يعارض ما كان شائعاً سابقاً بأن المرء إذا تقدم بالسن فإنه سيفقد قدرته على التعلم، فالتعلم مع العمر تقل سرعته ولكن لا تقل قوته، كما لا يؤمن ثورندايك بالتعليم بشكل مجرد بهدف التعلم فقط، بل يؤمن بضرورة ارتباط العلم بأهداف معينة، وأن يعود بالفائدة على المجتمع، وقد كان ثورندايك أول من اقترح فكرة التعلم النشط، ويقصد به أن يعتمد الأطفال على أنفسهم في الحصول على العلم بدلاً من الاعتماد على المعلمين في تلقين العلم لهم.

مساهمات إدوارد لي ثورندايك

كان لأعمال ثورندايك تأثير كبير في عدة مجالات، فقد ساهمت في ولادة نظرية الترابطية، وأثرت بشكل كبير على العديد من مدارس علم النفس وعلمائها، وعلى الدراسات المتعلقة بالطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي، كما ساهمت دراساته ونظرياته بخلق العديد من النظريات وقوانين التعلم، بالإضافة لذلك عمل ثورندايك على إرساء الأساس العلمي لعلم النفس التربوي، فهو يعد أول من طبق المبادئ النفسية في مجال التعلم. ومن الجدير بالذكر أنه استطاع ابتكار اختبارين للجيش الأمريكي؛ هما بيتا وألفا، إذ يستخدم هذان الاختباران لغايات تحديد مدى أهلية الجندي المتقدم للالتحاق بالجيش. فاختبار بيتا عبارة عن اختبار مكتوب من نوع متعدد الاختيارات، ونظراً لضعف بعض الجنود المقدمين للاختبار في القراءة ابتكر ثورندايك اختباراً آخر يدعى اختبار ألفا، وهو اختبار من نوع متعدد الخيارات ولكنه مبني على الصور والرسوم البيانية بدلاً من الكلمات، وقد ساهم هذا الابتكار لاحقاً في تحسين الإدارة العسكرية، وإدارة الموظفين الصناعيين، والخدمة المدنية، والعديد من الخدمات الاجتماعية العامة والخاصة.

نشر ثورندايك عدة كتب لمساعدة المعلمين على تعليم الكلمات والقراءة، فكان أول كتاب له تحت عنوان “The Teacher’s Word Book” الذي نشره عام 1921م، وكتاب “Book of the Twenty Thousand Words” الذي يحتوي على 20,000 كلمة تم العثور عليها بشكل متكرر وعلى نطاق واسع في القراءة العامة للأطفال والشباب، وقد تم نشره عام 1932م، وآخرها كتاب “The Teacher’s Word Book of 30,000 Words” الذي نشر عام 1944م، ومن كتبه الأخرى كتاب قياس الذكاء الذي نشر عام 1927م، وكتاب أساسيات التعلم الذي نشر عام 1932م وغيرها من الكتب. أما في مجال التنمية الفكرية فقد حدد ثورندايك ثلاثة مجالات رئيسية وهي:

  1. الذكاء التجريدي: ويقصد به قدرة الفرد على معالجة واستيعاب المفاهيم المختلفة.
  2. الذكاء الميكانيكي: ويقصد به قدرة الفرد على التعامل مع الأشياء المادية المحسوسة.
  3. الذكاء الاجتماعي: ويقصد به قدرة الفرد على التعامل مع الآخرين والتفاعل معهم.

تكريم جهوده بجائزة باسمه

تكريماً لجهود العالم ثورندايك تأسست جائزة ثورندايك التي يطلق عليها اسم “جائزة ثورندايك للتحصيل المهني”، وهي جائزة تنظر في الجهود المبذولة في مجال البحوث المهنية في تخصص علم النفس التربوي، إذ يتم تقديم جائزة ثورندايك للبحوث التي تقدم معرفة ما في المجال النفسي التربوي، أو تفترض نظرية جديدة تساهم في تطور علم النفس التربوي، أو تقدم ممارسة عملية في ذات المجال، ومن الجدير بالذكر أن الجائزة لا تعطى إلا للأعمال التي تقدم بحوثاً أصلية وعلمية تكون مبنية على أسس تجريبية.

فترة حياته الأخيرة

استمر ثورندايك بالعمل بعد تقاعده وذلك بعدما انتخبته “الرابطة الأمريكية المهنية لتقدم العلوم” كعالم اجتماعي، فتسلم منصب رئيس الرابطة عام 1934م، وفي ثلاثينيات القرن العشرين بدأت نظريات ثورندايك تدرج في القواميس، وفي النصف الأول من القرن العشرين بدأت المدارس تستخدم نظرياته كأساس نظري في التدريبات المدرسية للتلاميذ، ويعد ثورندايك أول من درس علم الأندراغوجيا بشكل تجريبي، وعلم الأندراغوجيا هو العلم المختص بتعليم الراشدين. وما تجدر الإشارة إليه وفاة العالم إدوارد ثورندايك في التاسع من شهر آب عام 1949م عن عمر يناهز 74 عاماً.

المراجع

  1. Saul McLeod (14-1-2018),”Edward Thorndike: The Law of Effect”،www.simplypsychology.org, Retrieved 3-11-2019. Edited.
  2. “Edward Thorndike 1874-1949”,www.goodtherapy.org,7-7-2015، Retrieved 3-11-2019. Edited.
  3. “EDWARD THORNDIKE”,peoplepill.com. Edited.
  4. Chris Lee (8-2-2018),”Instructional Design Models and Theories: Connectionism”،teachonline.asu.edu, Retrieved 4-11-2019. Edited.
  5. Christopher Pappas (18-12-2013),”Instructional Design Models and Theories: Connectionism Theory”،elearningindustry.com, Retrieved 4-11-2019. Edited.
  6. “Basic Principles of Operant Conditioning: Thorndike’s Law of Effect”,oer2go.org. Edited.
  7. Stephen S. Davis,”The six laws of learning”،medicine.hofstra.edu, Retrieved 4-11-2019. Edited.
  8. “Edward L. Thorndike”,www.newworldencyclopedia.org,16-7-2017، Retrieved 5-11-2019. Edited.
  9. “E. L. Thorndike Career Achievement Award”,www.apa.org, Retrieved 5-11-2019. Edited.
  10. Harald Sack (13-8-2017),”Edward Thorndike and the Law of Effect”،scihi.org, Retrieved 5-11-2019. Edited.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

ثابت بن قرة: رائد العلوم في العصر الذهبي

المقال التالي

العالم أبو الكيمياء: جابر بن حيان

مقالات مشابهة

السمات المميزة للمنهج التاريخي في التحليل الأدبي

استكشاف السمات المميزة للمنهج التاريخي في النقد الأدبي. تحليل الأدب في ضوء العوامل الخارجية، العمل الأدبي كمعادلات نسبية، تطور الأجناس الأدبية، وخصائص أخرى للمنهج.
إقرأ المزيد