مقدمة حول الروابط الأسرية
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، وهدانا إلى طريق الإيمان. الحمد لله الذي خلقنا ورزقنا، وجعلنا شعوبًا وقبائل لنتعارف. نحمده سبحانه على نعمة الأهل والعشيرة، ونستعينه ونتوكل عليه في كل الأمور. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. لقد حث الإسلام على توثيق الروابط الاجتماعية، وجعل صلة الرحم من أعظم القربات إلى الله تعالى.
الحث على اتقاء الله
أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، فهي النجاة في الدنيا والآخرة. اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا بالإسلام، فإنه العروة الوثقى. قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
[آل عمران: 102].
أهمية صلة الأقارب
يا عباد الله، إن موضوعنا اليوم يدور حول قيمة عظيمة، وحق جليل أمرنا الله به، ألا وهو صلة الرحم. وقد أولى الإسلام هذا الأمر اهتمامًا بالغًا، وحث عليه في مواضع عديدة من القرآن الكريم. قال تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
[النساء: 1].
إن صلة الرحم في الشريعة الإسلامية تعني الإحسان إلى الأقارب بكل ما نستطيع من الخير، والعمل على دفع الأذى عنهم. ويشمل مفهوم الأرحام: الآباء والأمهات والأجداد والجدات، والأبناء وأحفادهم، والإخوة والأخوات وأبنائهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات.
ينبغي التنبيه إلى أن صلة الرحم ليست مجرد معاملة بالمثل، بل هي أسمى من ذلك. فلا يجوز للمسلم أن يصل رحمه فقط لأنه يصله، ثم يقطعه إذا قاطعه. فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: ليسَ الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولَكِنِ الواصِلُ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها
[صحيح البخاري].
كيفية تحقيق صلة الرحم
تتحقق صلة الرحم بأشكال متنوعة، منها زيارة الأقارب وتفقد أحوالهم، والاطمئنان عليهم، والتودد إلى الغني منهم، وتوقير الكبير، ورحمة الصغير. كما تشمل المداومة على السؤال عنهم، والدعاء لهم، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم. لقد سهلت وسائل الاتصال الحديثة مهمة التواصل وصلة الأرحام، حيث قربت المسافات وألغت الحدود.
ثمار صلة الرحم
إن صلة الرحم من أجلّ الأعمال الصالحة التي تقربنا إلى الله تعالى، ولها فوائد جمة تعود على صاحبها بالخير في الدنيا والآخرة، ومن أهم هذه الفضائل:
-
السبب في دخول الجنة: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال:
جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-، فقالَ: دُلَّنِي علَى عَمَلٍ أعْمَلُهُ يُدْنِينِي مِنَ الجَنَّةِ، ويُباعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزَّكاةَ، وتَصِلُ ذا رَحِمِكَ، فَلَمَّا أدْبَرَ، قالَ رَسولُ اللَّهَ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-: إنْ تَمَسَّكَ بما أُمِرَ به دَخَلَ الجَنَّةَ
[صحيح مسلم]. -
طول العمر وزيادة الرزق: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من سرَّهُ أن يُبسَطَ علَيهِ في رزقِهِ ، ويُنسَأَ في أثرِهِ ، فليَصِلْ رحمَهُ
[صحيح البخاري]. -
نيل محبة الله ورضوانه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حتَّى إذا فَرَغَ منهمْ قامَتِ الرَّحِمُ، فقالَتْ: هذا مَقامُ العائِذِ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: نَعَمْ، أما تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى، قالَ: فَذاكِ لَكِ
[صحيح مسلم]. -
دليل على الإيمان بالله واليوم الآخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ
[صحيح البخاري].
مخاطر قطع الأرحام
أيها الإخوة الكرام، لنحذر من قطيعة الرحم، فإن الله تعالى قد توعد قاطع الرحم بعقوبات شديدة في الدنيا والآخرة، منها:
-
العقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة: عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما من ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ من البَغْيِ، وقطيعةِ الرَّحِمِ
[سنن الترمذي]. -
عدم قبول العمل: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنَّ أعمالَ بني آدمَ تُعرضُ كلَّ خميسٍ ليلةَ الجمعةِ فلا يُقبلُ عملُ قاطعِ رَحِمٍ
[إرواء الغليل]. -
قطع الصلة بالله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حتَّى إذا فَرَغَ مِن خَلْقِهِ، قالتِ الرَّحِمُ: هذا مَقامُ العائِذِ بكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قالَ: نَعَمْ، أما تَرْضَيْنَ أنْ أصِلَ مَن وصَلَكِ، وأَقْطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى يا رَبِّ، قالَ: فَهو لَكِ
[صحيح البخاري]. -
الحرمان من دخول الجنة: عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ
[صحيح البخاري].
دعاء وختام
اللهم وفقنا لصلة أرحامنا، وجنبنا القطيعة، وارزقنا رضاك بوصلهم يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
المصادر
- صحيح البخاري
- صحيح مسلم
- سنن الترمذي
- إرواء الغليل








