فهم أسباب نزول سورة المجادلة
سبب نزول آيات خولة بنت حكيم
تُشير العديد من الروايات إلى أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [1]، هو مناجاة خولة بنت حكيم، رضي الله عنها، للنبي صلى الله عليه وسلم بشأن زوجها أوس بن الصامت الذي ظهَر منها. وقد عبّرت خولة عن معاناتها، وتحدّثت عن ضائقتها مع أطفالها الصغار، سائلةً الله تعالى النصرة. وقد استجاب الله تعالى لدعائها بأنزل هذه الآيات الكريمة التي وضّحت أحكام الظِهار وكيفية كفّارته.
روى الامام البخاري عن عائشة رضي الله عنها تفاصيل هذه المناجاة، موضحةً معاناة خولة وكيف أن الله تعالى استجاب لدعائها.
أسباب نزول أخرى: سلسلة من الأحداث
إضافةً لقصة خولة بنت حكيم، ترتبط سورة المجادلة بأحداث أخرى هامة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل منها يُفسّر نزول آيات معينة من السورة.
تحية اليهود المعادية
يُفسّر نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [4]، بسلوك بعض اليهود الذين كانوا يُلقون على النبي صلى الله عليه وسلم تحيةً سلبية تحمل معاني التهديد، محاولين اختباره بقولهم “السام عليك يا محمد”، مما دفع الله تعالى لنزول هذه الآيات التي تُبيّن مصيرهم.
نسخ آية الصدقة قبل المناجاة
تُشير بعض التفاسير إلى أن آية: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [6]، قد نزلت ناسخةً لآية سابقة تُوجب تقديم صدقة قبل مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك للتخفيف على الفقراء والمحتاجين.
حب الصحابة لله تعالى: رمز الإيمان
تُفسّر آية: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [9]، بموقفٍ يُبرز عظمة حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم و لله تعالى، وذلك برفضهم أيّ شراكة مع من يخالف تعاليم الإسلام، حتى وإن كانوا من أقاربهم.
حادثة الإفساح في المجلس: درس في الأخلاق
يُعتقد أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [11]، هو موقف حدث في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بإفساح المجلس للبدريين، مما أدى إلى بعض الاحتجاج من الجالسين. وقد أراد الله تعالى بإنزال هذه الآية التأكيد على أهمية التواضع والإفساح لمن يستحقّ التكريم.
المنافقون ونقل الكلام لليهود
أخيرًا، يُفسّر نزول قوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [13]، بموقف منافق كان ينقل أحاديث مجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهود. وقد كشف الله تعالى كذبه بإنزال هذه الآية.








