فهم الأحاديث القدسية
تُعدّ الأحاديث القدسية من أهمّ مصادر المعرفة الإلهية، فهي تُنقل عن الله -تبارك وتعالى- بلسان النبيّ صلى الله عليه وسلم،
و تُلقي الضوء على جوانب عدّة من رحمة الله تعالى،
و عدله، و علاقته بخلقه.
في هذه المقالة نُقدّم مجموعة مختارة من هذه الأحاديث ذات الأثر العميق على النفس،
و التي تسلّط الضوء على صفات الله تعالى،
و علاقته بالعباد.
أحاديث قدسية مؤثرة
فيما يأتي ذكر بعض الأحاديث القدسية المؤثرة:
الحديث الأول: محبة الله للولي
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ المَوْتَ، وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ).[٢]
يشير هذا الحديث إلى أنّ محبة الله للوليّ هي محبةٌ قويةٌ،
و أنّ من عادى الله -تعالى- في وليّه،
فقد أعلن الله -تعالى- الحرب عليه.
كما يوضّح أنّ التقرب إلى الله -تعالى- بالنوافل يُقرّب العبد من الله -تعالى-
حتى يُصبح الله -تعالى- هو سمعه وبصره ويده ورجله،
و يُصبح العبد محميًّا من الله -تعالى-
في كلّ الأوقات،
و يُعطيه الله -تعالى- ما يُريد،
و يُعينه على ما يُريد.
الحديث الثاني: الله مع ظنّ عبده
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً).[٣]
يُظهر هذا الحديث أنّ الله -تعالى- مع ظنّ عبده،
فإن كان ظنّ العبد به قويًّا،
و تملّكه اليقين بوجوده،
فإنّ الله -تعالى-
سيكون قريبًا منه،
و سيتقبّل دعاءه،
و سيُعطيه من خيره.
كما يوضح أنّ الله -تعالى-
لا يُضيّع من يذكره
و يُقرّبه من نفسه،
و يُعينه على
كلّ ما يُريد.
الحديث الثالث: حرمة الظلم
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربّه -تبارك وتعالى-:(يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ).[٤]
(يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا).[٤]
(يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا).[٤]
يُؤكد هذا الحديث على حرمة الظلم،
و أنّ الله -تعالى-
قد حرم الظلم على نفسه،
و جعله محرمًا بين العباد،
و يدعو العباد إلى الاستهداء به،
و الاستطعام منه،
و الاستكساء منه،
و الاستغفار منه.
و يُوضح أنّ الله -تعالى-
لا يُضرّه إثم العباد،
و لا ينفعه طاعتهم،
و أنّ ملكه لا يزداد بِطاعتهم،
و لا ينقص بِمعصيتهم.
الحديث الرابع: زيارة المريض
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يَومَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قالَ: يا رَبِّ، كيفَ أعُودُكَ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟! قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟).[٥]
(يا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قالَ: يا رَبِّ، وكيفَ أُطْعِمُكَ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟! قالَ: أَمَا عَلِمْتَ أنَّه اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذلكَ عِندِي، يا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قالَ: يا رَبِّ، كيفَ أسْقِيكَ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟! قالَ: اسْتَسْقاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أمَا إنَّكَ لو سَقَيْتَهُ وجَدْتَ ذلكَ عِندِي).[٥]
يشير هذا الحديث إلى أنّ الله -تعالى-
يُؤاخذ العبد على إهماله للمريض،
و أنّ من زار المريض،
فكأنّما زار الله -تعالى-،
و أنّ الله -تعالى-
يُصبح حاضراً عند المريض،
و يرحمه،
و يُكافئ من زاره.
الخلاصة
تُعدّ الأحاديث القدسية من أهمّ مصادر المعرفة الإلهية،
و تُلقي الضوء على جوانب عدّة من رحمة الله تعالى،
و عدله،
و علاقته بخلقه.
و من خلال هذه الأحاديث،
نستطيع أن نُدرك عظمة الله -تعالى-
و قدرته،
و حبه لعباده،
و رحمته بهم.
و يجب علينا أن نستفيد من هذه الأحاديث،
و أن نُطبّق تعاليمها في حياتنا،
و أن نعمل على تقرّبنا إلى الله -تعالى-
و خدمة عباده،
و أن نُجاهد أنفسنا على إرضاء الله -تعالى-
و أن نُصبح من أوليائه.
المصادر
- حسن أيوب،الحديث في علوم القرآن والحديث، صفحة 175-177. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:6502، صحيح.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:7405، صحيح.
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم:2577، صحيح.
- رواه صحيح مسلم، في مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2569، صحيح.








