مقدمة
يعتبر مرض الذئبة الحمراء من الأمراض المعقدة التي تتطلب دقة في التشخيص نظراً لتشابه أعراضها مع أمراض أخرى. لا يوجد اختبار واحد قاطع لتحديد الإصابة بالذئبة، بل يعتمد الأطباء على مجموعة من المعايير والفحوصات لتأكيد التشخيص. هذا المقال يسلط الضوء على الطرق والأساليب المستخدمة في تحديد هذا المرض.
المعايير الأساسية لتشخيص الذئبة الحمراء
لا توجد معايير عالمية موحدة يعتمد عليها الأطباء بشكل كامل لتشخيص مرض الذئبة الحمراء أو الذئبة الحمامية الشاملة، ولكن المعايير التي وضعتها الكلية الأمريكية لأمراض الروماتيزم تعتبر الأكثر شيوعاً واستخداماً. يعتبر وجود أربعة أو أكثر من هذه المعايير، سواء في الوقت الحالي أو في الماضي، مؤشراً قوياً على احتمال الإصابة بالذئبة الحمراء. ومع ذلك، فإن عدم وجود أربعة معايير لا يستبعد الإصابة بالمرض، مما يستدعي إجراء المزيد من الفحوصات لتأكيد أو نفي التشخيص. تشمل هذه المعايير:
- التهاب المفاصل: ألم وانتفاخ في اثنين أو أكثر من المفاصل دون حدوث تلف في الأنسجة المحيطة بها.
- الطفح فراشيّ الشكل: طفح جلدي يغطي الخدين والأنف، يشبه شكل الفراشة.
- الطفح القـُرْصِيّ الشكل: طفح جلدي شبيه بالقرص، منتفخ ومتقشر، وقد يترك ندوباً.
- حساسية الضوء: ظهور أو تفاقم الطفح الجلدي بعد التعرض لأشعة الشمس أو الأشعة فوق البنفسجية.
- تقرحات الفم: غالباً ما تكون غير مؤلمة.
- التهاب المصليّة: التهاب الغشاء المحيط بالقلب أو الرئتين، مما يسبب ألماً في الصدر يزداد مع التنفس العميق.
- اضطرابات الدم: تشخيص سابق لمشاكل في الدم مثل فقر الدم، وقلة الكريات اللمفاوية، ونقص الكريات البيضاء، وقلة الصفيحات.
- اضطرابات عصبيّة: مثل الذهان أو النوبات التشنجية.
- اضطرابات الكلى: خروج البروتينات وبعض البقايا الخلوية مع البول باستمرار.
- فحص الأجسام المضادّة للنواة: ظهور نتائج غير طبيعية عند إجراء فحص الأجسام المضادّة للنواة (ANA).
- الاضطرابات المناعيّة: مثل ظهور نتائج إيجابية لاختبار الأجسام المُضادّة تجاه الحمض النووي المُضاعَف (Anti-dsDNA)، أو أضداد الشحوم الفسفوريّة، أو الأجسام المضادّة لسميث.
الخطوات المتبعة لتشخيص الذئبة الحمراء
نظراً لتشابه أعراض الذئبة الحمراء مع العديد من الأمراض الأخرى، قد يجد الأطباء صعوبة في تشخيصها. لا يوجد اختبار محدد لتشخيص هذا المرض، بل يعتمد التشخيص على الأعراض الظاهرة ونتائج الفحوصات المختلفة، بما في ذلك تحاليل الدم والبول والفحص السريري. يبدأ الطبيب بجمع التاريخ الطبي للمريض، بما في ذلك وجود تاريخ عائلي للإصابة بالذئبة، ويسأل عن الأعراض المصاحبة للمرض. كما يقوم بفحص الجلد للتأكد من نوع الطفح الجلدي. فيما يلي أبرز الاختبارات التشخيصية التي تساهم في تشخيص الذئبة الحمراء:
الفحوصات الدموية اللازمة
تشمل تحاليل الدم المستخدمة في تشخيص الذئبة الحمراء ما يلي:
تحاليل الكشف عن المؤشرات الحيوية
يقوم الطبيب بتحليل الدم للكشف عن المؤشرات الحيوية، وهي بروتينات أو عوامل جينية أو أجسام مضادة تعطي فكرة عن حالة الجسم واستجابته للعلاج، بالإضافة إلى تحديد نوع اضطراب المناعة الذاتية. تظهر هذه العلامات في التحليل بغض النظر عن وجود أعراض للمرض. على الرغم من صعوبة الاعتماد على مؤشر حيوي واحد لتشخيص الذئبة، إلا أنه يمكن الاستعانة بتحليل الدم للكشف عنها إلى جانب فحوصات أخرى. من بين هذه المؤشرات:
- العامل المضادّ للنواة: نوع من الأجسام المضادة التي تهاجم نواة بعض الخلايا في الجسم. غالباً ما تكون النتائج إيجابية في حالات الذئبة النشطة، ولكنها قد تشير أيضاً إلى أمراض أخرى.
- أضداد الشحوم الفسفوريّة: تهاجم الدهون الفسفوريّة في الجسم، وقد تشير إلى الإصابة بالذئبة، ولكنها قد تظهر أيضاً لدى الأشخاص غير المصابين. تستخدم لتأكيد التشخيص بعد إجراء الفحوصات الأخرى.
- الأجسام المُضادّة للحمض النووي المُضاعَف: تظهر لدى بعض المصابين بالذئبة، وقد تشير إلى خطر الإصابة بأمراض الكلى، كالتهاب الكلية الذئبي.
- الأجسام المضادّة لسميث: أجسام مضادة تهاجم البروتين النوويّ الريبوزيّ الموجود داخل نواة الخليّة. غالباً ما تشير إلى الإصابة بالذئبة، ونادراً ما توجد لدى الأصحاء أو المصابين بأمراض الروماتيزم الأخرى. يمكن استخدامها لتأكيد التشخيص.
- الأجسام المضادّة للبروتين النوويّ الريبوزيّ من نوع U1: تظهر لدى العديد من المصابين بالذئبة، ولكن وجودها قد يكون نتيجة لمشاكل صحيّةٍ أُخرى مثل ظاهرة رينود والتهاب المفاصل الروماتويديّ والتهاب العضلات.
- الأجسام المضادّة ل Ro/SSA وLa/SSB: أجسام مُضادة لبروتينات الحمض النووي الريبوزي، قد تظهر لدى المصابين بالذئبة، ولكنها تظهر أيضاً لدى المصابين بأمراض مناعيّة ذاتية أُخرى مثل متلازمة شوغرن.
- الأجسام المضادّة للهيستون: تلعب دوراً في بناء المادّة الوراثيّة في الجسم، وتظهر لدى المصابين بالذئبة الناجمة عن استخدام بعض الأدوية، وقد تظهر أيضاً لدى المصابين بالذُئبة الحمامية الشاملة، إلاّ أنّها لا تكفي وحدها لتأكيد التشخيص.
فحص تعداد الدم الكامل
يُجرى فحص تعداد الدم الكامل للكشف عن مستويات مكونات الدّم المختلفة، بما في ذلك كريات الدم البيضاء المختلفة، وكريات الدّم الحمراء، والصفائح الدمويّة. تدل المستويات غير الطبيعية لهذه الفحوصات على وجود خلل ما، بما في ذلك انخفاض عدد خلايا الدم البيضاء. عادة ما يعاني المصابون بالأمراض المناعة الذاتية كالذئبة من انخفاض في عدد كريات الدّم البيضاء.
سرعة ترسب الدم
يقوم مبدأ اختبار سرعة ترسّب الدم على قياس سرعة خلايا الدم الحمراء في الترسب في أنبوب الاختبار خلال ساعة واحدة. يدل ارتفاع مستوى هذا الاختبار عن الحدّ الطبيعي على الإصابة بأحد الأمراض الصحيّة الجهازيّة أو الالتهابيّة، بما فيها مرض الذئبة الحمراء. هذا الاختبار غير مُحدّد لنوع معين من الأمراض.
اختبار البروتين المتفاعل-C
يُعدّ اختبار البروتين المتفاعل-C من الاختبارات المُستخدمة للكشف عن وجود التهابٍ في الجسم، ويُستخدم بشكلٍ رئيسي لمراقبة نشاط الأمراض في الجسم، بما فيها الذئبة الحمراء. قد تكون مستويات البروتين المتفاعل-C مرتفعةً لدى الأشخاص المصابين بالعدوى أو الذين يُعانون من السُّمنة.
تحليل كيمياء الدم
يتمّ إجراء تحليل كيمياء الدم للكشف عن وظائف عدّة أعضاءٍ في الجسم، بما فيها وظائف الكلى والكبد، بالإضافة إلى قياس نسبة السكّر في الدم، والكولسترول، والشحوم الثلاثيّة، والكهارل. قد يُشير وجود خللٍ في هذه الفحوصات إلى تطور بعض المضاعفات الصحيّة لدى الشخص المُصاب بالذئُبة الحمراء.
أهمية تحاليل البول
قد يؤثر مرض الذُئبة الحمراء في الكلى في بعض الحالات. قد يُوصي الطبيب بإجراء عددٍ من التحاليل البوليّة وبشكلٍ دوريّ؛ حتى يتمكن من تشخيص ومراقبة تأثير المرض في الكلى عن كثب. تشمل هذه التحاليل:
- تحليل البول: للكشف عن وجود كريات الدم البيضاء أو الحمراء أو البروتين في البول، حيث يعدّ وجودها مؤشراً على إصابة الكلى.
- معدّل الترشيح الكبيبيّ والبيلة البروتينية: للكشف عن كفاءة الكلى في تنقية الدم.
- تحليل نسبة البروتين/الكرياتينين: لمعرفة ما إذا كانت نسبة البروتين في البول أكثر من الطبيعي.
- تحاليل أخرى: مثل تحليل الكشف عن وجود بكتيريا في البول، وتحليل درجة حموضة البول.
الدور التشخيصي للفحوصات التصويرية
قد يُوصي الطبيب بإجراء عددٍ من الفحوصات التصويريّة، خاصةً في حال ظهور أعراضٍ تُشير إلى تضرر بعض الأعضاء الداخلية الذي يُحتمل أن يكون ناجمًا عن الإصابة بالذئبة. تشمل هذه الفحوصات:
- التصوير بالأشعّة السينيّة: لتصوير منطقة الصدر، للكشف عمّا إن كانت هناك علاماتٌ تُشير إلى تضخّم عضلة القلب، أو وجود التهابٍ في الرئتين، أو سوائل في أيّ منهما.
- التصوير بالأشعّة فوق الصوتيّة: للكشف عن وجود انسدادٍ أو تضخّمٍ في الكلى، أو لمعرفة سبب ألم المفاصل الشديد.
- تخطيط صدى القلب: للكشف عن اضطراباتٍ القلب وصمّاماته.
- التصوير بالرنين المغناطيسيّ: للكشف عن سلامة الدماغ في حال ظهور بعض الأعراض المرتبطة به، مثل اضطراب الذاكرة.
- التصوير الطبقيّ المحوريّ: للكشف عن بعض الاضطربات الداخليّة، مثل أمراض الرئتين، والتهاب البنكرياس في حال الشعور بألم في البطن.
أهمية الخزعة
يُلجأ لأخذ خزعة من الكلى في حال الشك بالإصابة بالتهاب الكلية الذئبي، وخاصة في حال ظهور أعراض أو علامات تدل على ذلك، ولا سيّما في المرة الأولى من الإصابة. يقوم مبدأ الخزعة على أخذ عينة من النسيج المعنيّ. في حال الرغبة في أخذ خزعة من الكلية، فإنّ عينة تُؤخذ منها بواسطة إبرة رفيعة في الغالب.
معلومات إضافية حول الذئبة الحمراء
مرض الذُئبة الحمراء هو أحد أمراض المناعة الذاتيّة التي يُهاجم فيها الجهاز المناعيّ أنسجة وأعضاء الجسم المختلفة، كالمفاصل، والجلد، والكلى، وخلايا الدّم، والدّماغ، والقلب، والرئتين، مما يؤدي إلى حدوث التهابٍ في هذه الأجزاء. الذئبة الحمراء هي أحد أنواع الذئبة وأكثرها شيوعًا، إذ إنّ لمرض الذئبة أربعة أنواع رئيسية، وهي الذئبة الحمراء، والذئبة الحُمامية الجلدية، والذئبة الحمامية المُحدَثة بالأدوية، والذئبة الوليدية.
لأنّ الذئبة قد تؤثر في العديد من أعضاء الجسم، فإنّ الأعراض التي تظهر على المصاب تختلف باختلاف العضو المتأثر. من العلامات المميزة التي قد تظهر لدى الكثير من المصابين الطفح الجلديٍّ في الوجه الذي يشمل كلا الخدين ليمثّل شكلاً شبيهاً بأجنحة الفراشة. بشكلٍ عامٍ، فإنّ أعراض المرض الأخرى تختلف من شخصٍ إلى آخر، وقد تظهر بشكلٍ مفاجئٍ أو تدريجيّ، وقد تستمر لفترةٍ مؤقتةٍ أو دائمةٍ. غالباً ما تظهر الأعراض على شكل هبّاتٍ متفرقةٍ تتخللها فتراتٌ من الفتور التي تختفي فيها الأعراض أو على الأقل تخفّ شدتها. الأشخاص الذين لديهم استعدادٌ وراثيٌّ للذُئبة الحمراء منذ الولادة قد يُصابون بها في حال تعرّضهم لبعض المحفّزات، مثل: الإصابة ببعض أنواع العدوى، واستخدام بعض الأدوية، والتعرّض لأشعّة الشمس. لم يتمكّن العلماء من تطوير علاجٍ يُساهم في التعافي التامّ من المرض إلى الآن، لكن يتوفر عدد من العلاجات التي يُمكن وصفها للسيطرة على أعراض المرض.








