آراء الفقهاء حول إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف

استعراض لآراء العلماء والمفكرين قديماً وحديثاً حول جواز أو عدم جواز الاحتفاء بذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مع ذكر الأدلة والبراهين التي استند إليها كل فريق.

مقدمة

تعتبر ذكرى المولد النبوي الشريف مناسبة عظيمة في قلوب المسلمين، إلا أن الاحتفال بها يثير جدلاً واسعاً بين العلماء والفقهاء. فمنهم من يجيز الاحتفال، ومنهم من يرى أنه بدعة. يهدف هذا المقال إلى استعراض مختلف الآراء حول هذه المسألة، مع تقديم الأدلة التي يستند إليها كل فريق.

العلماء المؤيدون لإحياء ذكرى المولد

يرى فريق من العلماء جواز الاحتفال بذكرى المولد النبوي، مستندين إلى أدلة شرعية وعقلية. ويؤكدون أن إحياء هذه الذكرى يهدف إلى تذكير الناس بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والاقتداء به، وزيادة المحبة له.

آراء علماء السلف

أجاز جمع من علماء السلف الصالح الاحتفاء بالمولد النبوي، بل وصنفوا مؤلفات في استحباب ذلك. من هؤلاء:

  • الإمام أبي الخطاب ابن دُحية: ألف كتاب “التنوير في مولد البشير النذير”.
  • الإمام ابن كثير: ألف كتاب “مولد ابن كثير”.
  • الإمام ابن الجوزي: ألف كتاب “مولد العروس”.

وفيما يلي بعض آراء علماء السلف بالتفصيل:

الإمام الحافظ ابن حجر

رغم اعترافه بأن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن موجوداً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في القرون الثلاثة الأولى، فقد أجاز الإمام ابن حجر الاحتفال به بشرط تجنب المحرمات.

الإمام السخاوي

نُقل عن الإمام السخاوي قوله: “لو لم يكن في ذلك إلّا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى، فرحم الله امرءاً اتّخذ ليالي هذا الشهر المبارك، وأيّامه عيداً، لتكون أشدّ علّةٍ على مَن في قلبه أدنى مرضٍ وأعيا داءٍ”.

الإمام القسطلاني

ذكر الإمام القسطلاني أن المسلمين بعد القرون الثلاثة الأولى كانوا يحتفلون بشهر المولد النبوي بالصدقات والولائم وإظهار الفرح، وقراءة السيرة النبوية، مما كان يجلب البركات والفضل العظيم.

الإمام ابن عيّاد

نُقل عنه قوله: “أمّا المولد فالذي يظهر لي أنّه من أعياد المسلمين، وموسمٌ من مواسمهم وكلّ ما يفعل فيه ممّا يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتزيّن بلبس فاخر الثياب، وركوب فاره الدوّاب، أمرٌ مباحٌ لا ينكر على أحد قياساً على غيره من أوقات الفرح”.

الإمام فتح الله البناني

اعتبر العلامة فتح الله البناني الاحتفال بالمولد النبوي من أفضل ما استحدث في زمانه، لما يشتمل عليه من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور، والإحسان إلى الفقراء، مما يزيد من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب العباد، ويذكرهم بالشكر لله على نعمة بعثته.

الإمام السيوطي

أفتى الإمام السيوطي بجواز الاحتفال بالمولد النبوي، معتبراً أصله اجتماع الناس لقراءة القرآن الكريم، والاستماع إلى السيرة النبوية، وذكر المعجزات التي حدثت عند ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وتناول الطعام إن تيسر، ثم الانصراف دون زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب فاعلها.

آراء علماء العصر

أجاز العديد من علماء العصر الاحتفال بالمولد النبوي، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالضوابط الشرعية. من هؤلاء:

الشيخ يوسف القرضاوي

أكد الشيخ القرضاوي على جواز الاحتفال بالمولد النبوي من خلال إبراز سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأهم الأحداث الإسلامية في حياته، معتبراً أن تذكير الناس بنعم الله أمر محمود. واستشهد بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ). [الأحزاب: 9].

وشدد على أن الاحتفال يجب أن يخلو من المنكرات والمخالفات الشرعية.

الشيخ عبدالله بن بيه

أجاز الشيخ عبدالله بن بيه الاحتفال بالمولد النبوي من خلال سرد السيرة النبوية وبيان مناقبه وشمائله، بشرط عدم فعل أي أمر مخالف للشرع، وعدم الاعتقاد بسنية أو وجوب هذا الاحتفال.

دائرة الإفتاء الأردنية

أفتت دائرة الإفتاء الأردنية بجواز الاحتفال بالمولد النبوي من خلال سرد السيرة النبوية وبيان شمائله الكريمة، والحث على التمسك بالدين، بشرط عدم وجود مخالفات شرعية.

دار الإفتاء المصرية

أفتت دار الإفتاء المصرية بجواز الاحتفال بالمولد النبوي، بل اعتبرته من أفضل الأعمال وأجل القربات، لأنه تعبير عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم التي تعد أصلاً من أصول الإيمان. واستشهدت بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ). [البخاري].

كما أشارت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سن للأمة الشكر على ميلاده الشريف بصيامه يوم الاثنين. لِما ورد عن أبي قتادة الحارث بن ربعي -رضي الله عنه- أنّه قال أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام-:(سُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ؟ قالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ). [مسلم].

وأكدت أن الاحتفال بالمولد النبوي ليس بدعة، لأن البدعة ما خالفت القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الإجماع. واستدلت بما رُوي عن بريدة بن الحصيب الأسلميّ -رضي الله عنه- أنّه قال:(خرجَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في بعضِ مَغازيهِ، فلمَّا انصرفَ جاءت جاريةٌ سوداءُ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي كُنتُ نذرتُ إن ردَّكَ اللَّهُ سالمًا أن أضربَ بينَ يديكَ بالدُّفِّ وأتغنَّى، فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: إن كنتِ نذَرتِ فاضربي وإلَّا فلا). [الترمذي، صحيح].

الحجج المؤيدة لإحياء ذكرى المولد

يستند المؤيدون لإحياء ذكرى المولد النبوي إلى عدة أدلة شرعية، منها:

  1. احتفال النبي صلى الله عليه وسلم بميلاده: فقد كان يصوم يوم الاثنين لأنه يوم ميلاده. لِما ورد عن أبي قتادة الحارث بن ربعي -رضي الله عنه-، والذي سبق ذِكره، وفيه دليلٌ على جواز الاهتمام بمثل ذلك اليوم المبارك بفعل عبادةٍ مُعيَّنةٍ، كالصوم، أو ما تيسّر من العبادات بشرط عدم مُخالفة الشَّرع.
  2. الفرح بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم: فقد أعتق أبو لهب الجارية التي بشرته بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم. مصداقاً لما ورد عن أمّ حبيبة -رضي الله عنها- أنّه قالت:(قالَ عُرْوَةُ، وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لأبِي لَهَبٍ: كانَ أبو لَهَبٍ أعْتَقَهَا، فأرْضَعَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أبو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أهْلِهِ بشَرِّ حِيبَةٍ، قالَ له: مَاذَا لَقِيتَ؟ قالَ أبو لَهَبٍ: لَمْ ألْقَ بَعْدَكُمْ غيرَ أنِّي سُقِيتُ في هذِه بعَتَاقَتي ثُوَيْبَةَ). [البخاري].
  3. الأمر بالفرح بالرحمة: فقد أمر الله تعالى بالفرح بالرحمة. إذ قال:(قُل بِفَضلِ اللَّـهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ). [يونس: 58]. والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الرحمات. لقوله تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). [الأنبياء: 107].
  4. الأمر بتعظيم شعائر الله: فقد أمر الله تعالى بتعظيم شعائره. إذ قال:(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). [الحج: 32]. والاحتفال بالمولد النبوي من تعظيم شعائر الله.

العلماء المعارضون لإحياء ذكرى المولد

يرى فريق آخر من العلماء أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة مستحدثة، لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام.

معارضة علماء السلف

من علماء السلف الذين عارضوا الاحتفال بالمولد النبوي:

  • شيخ الإسلام ابن تيمية: رأى عدم جواز الاحتفال، لأن السلف الصالح لم يحتفلوا به.
  • الإمام الفاكهاني: أفتى بأن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة مكروهة، حتى وإن خلا من المخالفات الشرعية.

معارضة علماء العصر

من علماء العصر الذين عارضوا الاحتفال بالمولد النبوي:

  • الشيخ ابن باز: أفتى بعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي، وأنه بدعة مستحدثة في الدين. واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمْرُنا فَهو رَدٌّ). [مسلم]. كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع، وكان دائماً ما يفتتح خُطبته بقوله:(أما بعدُ فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وإنَّ أفضلَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ). [مسلم].
  • الشيخ ابن عثيمين: بين الشيخ ابن عثيمين أن الاحتفال بالمولد النبوي ليس له أصل في الدين، وأنه لا يجوز التعبد به أو التقرب إلى الله تعالى به، لأن الدين قد اكتمل. واستشهد بقوله تعالى:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). [المائدة: 3].

مفهوم الاحتفاء بذكرى المولد النبوي

يعرف العلماء المؤيدون الاحتفال بالمولد النبوي بأنه اجتماع الناس لقراءة القرآن الكريم والاستماع إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ البداية، وما حدث من المعجزات في ولادته. وعند وصول القارئ إلى ولادته صلى الله عليه وسلم مختوناً يقوم الحضور جميعهم إجلالاً وتعظيماً، ويرددون نشيد (طلع البدر علينا)، ثم يتناولون الطعام الذي يصنع بمبادرة أحد المحسنين، وغالباً ما يشتمل الحفل على موعظة قصيرة من أحد العلماء.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

وجهات نظر حول الانعزال عن الآخرين

المقال التالي

الرأي الشرعي في الاحتفاء باليوم الوطني

مقالات مشابهة