آراء ابن الجوزي في الحب والعشق

نظرة متعمقة في أفكار ابن الجوزي حول الحب، وأنواعه، ومراتبه، وأثره على النفس البشرية.

فهرس المحتويات

الموضوعالرابط
تعريف الحب والهوى عند ابن الجوزي ورأيه في الإفراط فيهالفقرة الأولى
مراتب الحب في نظر ابن الجوزيالفقرة الثانية
أسباب الحب عند ابن الجوزيالفقرة الثالثة
العوامل التي تزيد العشق وتقويهالفقرة الرابعة
أنواع العشق وحكمه الشرعيالفقرة الخامسة
مقارنة العشاق بالحيواناتالفقرة السادسة
اختيار من تحب وكيفية كتمان الحبالفقرة السابعة
كتمان الحب عن الأبناءالفقرة الثامنة

ابن الجوزي والحب: تعريف وتنبيه من الإفراط

يُعرّف ابن الجوزي الهوى بأنه ميل الفطرة لما يناسبها، وهو غريزة فطرية ضرورية لبقاء الإنسان، فلو لم يكن هناك ميل للطعام والشراب والزواج لما استمرّ الجنس البشري. لكنّه يُحذّر من الإفراط في الهوى، الذي يتجاوز حدود جلب المصالح ودفع المضار. يقول ابن الجوزي: “اعلم أن الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب وإلى المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه فالهوى مستجلب له ما يفيد، كما أن الغضب دافعٌ عنه ما يؤذي، فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق وإنما يذم المفرط من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار”.[١]

ويضيف ابن الجوزي شرحاً مُفصّلاً حول هذا المفهوم، موضّحاً أنّه غالباً ما يتجاوز الإنسان حدود المنفعة، ممّا يجعل ذمّ الهوى أمراً شائعاً. فالإنسان قد يفهم المقصود من وجود الهوى في النفس، لكنّ تطبيق هذا الفهم نادرٌ جداً. ويضرب مثالاً بشهوة الطعام التي خلقت لاجتذاب الغذاء، إلا أنّ القليل من الناس يقتصرون على ما يحتاجونه فقط. ولذلك، من وقف عند حدّ الهوى ولم يُفرط فيه، فلا يُذمّ. أمّا الأكثرية، فهم يغرقون في الهوى، محققين مصالح آنية متجاهلين مفاسد بعيدة الأمد.

مراحل تطور المشاعر عند ابن الجوزي

يحدد ابن الجوزي مراحل تطور الحب، بدءاً من الإعجاب الأولي، مرورًا بالمودة، ثمّ المحبة، فإلى الخلة، ثمّ الهوى، والعشق، وصولاً إلى التتيم والوله، وهو ما يفقد العقل سيطرته تماماً. يقول: “أول ما يتجدد الاستحسان للشخص، ثم يجلب إرادة القرب منه، ثم المودة وهو أن يود أن لو ملكه، ثم يقوى الود فيصير محبة، ثم يصير خلة، ثم يصير هوى؛ فيهوي بصاحبه في محاب المحبوب من غير تمالك، ثم يصير عشقاً، ثم يصير تتيماً والتتيم حالة يصير بها المعشوق مالكا للعاشق لا يوجد في قلبه سواه ومنه تيم الله، ثم يزيد التتيم فيصير ولهاً والوله الخروج عن حد الترتيب والتعطل عن أحوال التمييز”.[٢]

ما الذي يُحدِث الحبّ؟

يرى ابن الجوزي أنّ سبب العشق هو مصادفة النفس لما يتوافق مع طبعها، ممّا يُحدث الإعجاب والانجذاب. وأكثر أسباب هذه المصادفة هو النظر المُتعمّد، وليس النظرة العابرة، فإذا غاب المحبوب، اشتاقت النفس إليه، وتمنّت التقرب منه والاستمتاع بصحبته، فيصبح كلّ تفكيرها به، وصورته حاضرة دائمًا في ذهنها. يقول: “سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها فتستحسنه وتميل إليه، وأكثر أسباب المصادفة النظر ولا يكون ذلك باللمح، بل بالتثبت في النظر ومعاودته، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس ورامت القرب منه، ثم تمنت الاستمتاع به؛ فيصير فكرها فيه وتصويرها إياه في الغيبة حاضراً وشغلها كله به؛ فيتجدد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى وكلما قويت الشهوة البدنية قوي الفكر في ذلك”.[٣]

ما الذي يُزيد من شدّة العشق؟

يُشير ابن الجوزي إلى أنّ كثرة النظر، وزيادة اللقاء، وطول الحديث، كلّها عوامل تُقوّي العشق، ويزيد من شدّته، بل إنّ المعانقة والقبلة تُزيد من استحكام العشق. ويستشهد بآراء حكماء الأوائل الذين رأوا أنّ وصول ريق كلّ من العاشقين إلى معدة الآخر، أو اختلاط أنفاسهم، يؤثر في مزاجهما، ويُعزّز العشق. يقول: “ويتأكد العشق بإدمان النظر وكثرة اللقاء وطول الحديث، فإن انضم إلى ذلك معانقةٌ أو تقبيلٌ فقد تم استحكامه وقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابين ووصلت بلة من ريق كل واحد منهما إلى معدة الآخر؛ اختلط ذلك بجميع البدن ووصل إلى جرم الكبد، وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه فإنه يخرج مع ذلك النفس شيء من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء فإذا استنشقا من ذلك الهواء دخل في الخياشيم ووصل بعضه إلى الدماغ فسرى فهي كسريان النور في جرم البللور ووصل بعضه إلى جرم الرئة ثم إلى القلب فيدب في العروق الضوارب في جميع البدن فينعقد من بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجا به يتولد العشق وينمى”.[٤]

أنواع الحبّ: بين المباح والمذموم

يُميّز ابن الجوزي بين أنواع الحب، فالمحبة والمودة والرغبة في الأشياء الجميلة والملائمة، ليست مذمومة، بل هي أمرٌ طبيعيّ. لكنّ العشق الذي يتجاوز حدود المحبة والميل، ويستولي على العقل، ويُبعد صاحبه عن الحكمة، فهو مذموم ويجب تجنبه. يقول: “قلت وفصل الحكم في هذا الفصل أن نقول: أما المحبة والود والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يذم ولا يعدم ذلك إلا الحبيس من الأشخاص [بمعنى أنّ ميل النفوس إلى ما تحبه هو طبيعي في الأشخاص ولا يوجد شخصٌ إلا ويميل إلى شيءٍ يحبه] فأما العشق الذي يزيد على حد الميل والمحبة فيملك العقل ويصرف صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم ويتحاشى من مثله الحكماء [بمعنى أنّ الحب إذا زاد عن الميل وأصبح يستحكم في القلب حتى يصرف العقل عن الصواب فهو مذموم].[٥]

العشاق الذين أفرطوا في الهوى

يُقارن ابن الجوزي العشّاق الذين أفرطوا في الهوى بالحيوانات، حيث إنّهم فقدوا سيطرتهم على أنفسهم، وأصبحوا تابعين لرغباتهم دون استخدام لعقولهم. يقول: “واعلم أن العشاق قد جاوزوا حد البهائم في عدم ملكة النفس [بمعنى أنهم لم يستعملوا عقولهم فيضبط نفوسهم] في الانقياد إلى الشهوات لأنهم لم يرضوا أن يصيبوا شهوة الوطء _وهي أقبح الشهوات_ عند النفس الناطقة [الإنسان] من أي موضع كان [بمعنى أنّ شهوة الوطء مذمومة مطلقاً]، حتى أرادوها من شخص بعينه فضموا شهوة إلى شهوة وذلوا للهوى ذلاً على ذل، والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها فحسب وهؤلاء استخدموا عقولهم في تدبير نيل شهواتهم [بمعنى أنّ الحيوانات وهي التي لا تعقل تحاول دفع الضرر عن نفسها أما من أفرط في الهوى فإنه يستعمل عقله في جلب الضرر لنفسه].[٦]

كيف تختار من تحبّ؟ وكيف تُخفي حبّك؟

يُنصح ابن الجوزي الراغب في اختيار محبوب، بأن يُميّز بين نوعين: امرأة تُرغب من أجل جمالها، وصديق يُرغب من أجل أخلاقه. ويُشدّد على أهمية التأمل في الأخلاق قبل تعلّق القلب. كما يُحذّر من إظهار الحبّ للمحبوب، لأنّه قد يُؤدي إلى الأذى والهجران. يقول: “من أراد اصطفاء محبوبٍ، فالمحبوب نوعان: امرأةٌ يقصد منها حسن الصورة، وصديق يقصد منه حسن المعنى، فإذا أعجبتك صورة امرأة، فتأمل خلالها الباطنة مديداً[بمعنى تأمل أخلاقها وتصرفاتها] قبل أن يتعلق القلب بها تعلقا محكماً، فإن رأيتها كما تحب -وأصل ذلك كله الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: “عليك بذات الدين” – فمل إليها، واستولدها، وكن في ميلك معتدلاً، فإنه من الغلط أن تظهر لمحبوبك المحبة، فإنه يشتط عليك، وتلقى منه الأذى من التجني والهجران، والإدلال وطلب الإنفاق الكثير -وإن كانت تحبك- لأن هذا إنما يجتلبه حب الإدلال والتسلط على المقهور.[٧]

كتمان الحب عن الأبناء

يُنصح ابن الجوزي بكتمان الحبّ عن الأبناء، خشية تسلّطهم، وإضاعة المال، والإدلال المفرط، والامتناع عن التعلم. يقول: “وكذا ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد؛ لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب”.[٨] [١] ابن الجوزي، ذم الهوى، صفحة 12.

[٢] ابن الجوزي، ذم الهوى، صفحة 293.

[٣] ابن الجوزي، ذم الهوى، صفحة 296.

[٤] ابن الجوزي، ذم الهوى، صفحة 305.

[٥] ابن الجوزي، ذم الهوى، صفحة 306.

[٦] ابن الجوزي، ذم الهوى، صفحة 313.

[٧] ابن الجوزي، صيد الخاطر، صفحة 356.

[٨] ابن الجوزي، صيد الخاطر، صفحة 357.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

جواهر الفكر: حكم وأقوال الإمام ابن الجوزي

المقال التالي

أقوال ابن القيم عن فضائل الصبر

مقالات مشابهة

درر من فكر ابن القيم

استكشف روائع فكر ابن القيم الجوزية من خلال مجموعة مختارة من العبر والآراء الراقية، والاقتباسات المُلهمة، والأشعار الحكيمة. باقة من جواهر الحكمة لابن القيم، مُقدمة لتنوير العقول وإحياء القلوب.
إقرأ المزيد