موعظة حول قوله تعالى: “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”

مقدمة الموعظة. الحث على تقوى الله. الجزء الأول من الموعظة. الجزء الثاني من الموعظة. الدعاء. المراجع. نبدأ الموعظة بالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

تمهيد الموعظة

الحمد لله رب العالمين، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون. نحمده سبحانه وتعالى حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونسأله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

توصية بتقوى الله

أيها الإخوة والأخوات في الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي سبيل الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة. تمسكوا بتقوى الله في السر والعلن، واعلموا أن الله معكم يسمع ويرى، قال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة: 281]. فاستعدوا لهذا اليوم العظيم بالتوبة والاستغفار، والعمل الصالح، واجتناب المعاصي والآثام.

الجزء الأول من الموعظة

يا عباد الله، إن من عظيم نعم الله علينا أن هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بالتحلي بمكارم الأخلاق، والبعد عن مساوئها. وقد وصف الله عباده المؤمنين بصفات عظيمة تدل على كمال إيمانهم، وحسن إسلامهم. ومن هذه الصفات ما جاء في قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَـنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان: 63].

هذه الآية الكريمة تبين لنا جانبًا مهمًا من أخلاق المؤمنين، وهو التواضع ولين الجانب. فعباد الرحمن يمشون على الأرض هونًا، أي بسكينة ووقار، لا يتكبرون ولا يتعالون على الناس، بل يعاملونهم بالتواضع والاحترام. وهذا التواضع لا يعني الذل أو المهانة، بل هو تعبير عن عزة النفس، والثقة بالله عز وجل.

والصفة الأخرى التي ذكرتها الآية هي الحلم والصبر على الأذى. فإذا خاطبهم الجاهلون بالقول السيئ أو الفعل المشين، لم يردوا عليهم بالمثل، بل قالوا سلامًا، أي قولًا يسلمون به من الشر، ويتجنبون به الفتنة. وهذا ليس ضعفًا أو استسلامًا، بل هو قوة وعزيمة، وقدرة على التحكم في النفس، وكظم الغيظ. وهو امتثال لقوله تعالى:(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [فصلت: 34].

إن هذا التعامل الراقي مع الجاهلين، لا يعني أن المؤمنين يعيشون في عزلة عن المجتمع، أو أنهم لا يشاركون في قضاياه وهمومه. بل هم جزء من هذا المجتمع، يتفاعلون معه، ويسعون لإصلاحه، ولكنهم يفعلون ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، واللين والرفق، لا بالعنف والشدة، والغضب والانفعال.

الجزء الثاني من الموعظة

أيها المسلمون، إن الجهل داء خطير، وآفة مدمرة، فهو يوقع الإنسان في الضلال والغي، ويجعله يتخبط في الظلمات، ويعرضه للفتن والمحن. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الجهل وأهله، وأمرنا بالتعلم والتفقه في الدين، فقال: “من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين”. فعلينا أن نسعى لطلب العلم النافع، الذي يقودنا إلى الحق، ويهدينا إلى الصواب، ويجعلنا قادرين على التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل.

وعلينا أيضًا أن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نتحلى بالصبر والأناة، وأن نعامل الناس باللين والرفق، وأن نتجنب الغلظة والفظاظة، قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125].

إن التزامنا بهذه الأخلاق العظيمة، والصفات الحميدة، هو خير وسيلة للدعوة إلى الله، وتغيير المجتمع، ونشر الخير والسلام بين الناس. وهو دليل على صدق إيماننا، وحسن إسلامنا، وقربنا من الله عز وجل.

الدعاء

اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تجعلنا من عبادك الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74].

“اللهمَّ إنِّي أسألُك من الخيرِ كلِّه عاجلِه وآجلِه ما علِمتُ منه وما لم أعلمُ، وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه ما علِمتُ منه وما لم أعلمُ”.

“اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ”.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.

المراجع

  • القرآن الكريم
  • كتب السنة النبوية الشريفة
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

التحذير من الفجور في الخصومة: رؤية إسلامية

المقال التالي

تأملات في قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع)

مقالات مشابهة