مدخل إلى معنى التعاضد
التعاضد هو مفهوم يتردد صداه في أذهان الكثيرين، لكن ما هو جوهر هذا المفهوم، خصوصًا بعد النداءات المتكررة في المحافل الدولية على ضرورة الوقوف صفًا واحدًا مع الفئات المستضعفة والمجتمعات التي تعاني من الفقر والعوز؟ التعاضد ليس حكرًا على فئة معينة أو مرتبطًا بدين دون سواه، بل هو دعوة عالمية تحث على تكاتف الشعوب. كل إنسان سويّ يشعر بالحاجة إلى التآزر مع من حوله، لأن في اتحاد الناس قوة. التعاضد، في جوهره، هو الوحدة والتآزر.
الهدف الأساسي من التعاضد هو التآزر بين أفراد المجتمع، بحيث يكون الغني عونًا للفقير، ويصبح المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا. إنه سلوك إنساني نبيل يعكس سلامة النفس، فالإنسان بطبيعته ضعيف ويحتاج إلى من يدعمه ويسانده. التعاضد ليس مساندة الظالم لظلمه، بل هو عمل محمود تسعى الإنسانية لترسيخه. إنه أمر نسبي، فليس كل فعل يعتبر تعاضدًا. على سبيل المثال، مساعدة طالب لآخر في الغش ليست تعاضدًا، بل هي تعاون على الإثم.
التعاضد مسؤولية جسيمة تقع على عاتق كل فرد في المجتمع. يجب على الإنسان أن يتعاضد مع أخيه، وأن يرفع عنه الظلم ويدعمه في الخير، ولا يسمح لأحد بالإساءة إليه. إنه شعور إنساني يدعو إلى التراحم بين الناس، فـ “الإنسان أخو الإنسان إما في الدين أو في الإنسانية.”
لقد تغنى الكثير من الأدباء والعلماء بالتعاضد في مؤلفاتهم. ابن خلدون، على سبيل المثال، تحدث عن التعاضد في مقدمته، وأطلق عليه اسم “العصبية”، وأشار إلى أن للعصبيات جوانب إيجابية، حيث ينصر الإنسان أخاه ظالمًا أو مظلومًا. ينصره ظالمًا بمنعه من الظلم، وينصره مظلومًا بإنصافه. هكذا تجلى التعاضد في أبهى صوره في المجتمعات الإنسانية، حيث أحبه الناس وتآزروا باسمه، وأصبحوا كالبنيان المرصوص الذي لا تهزه الظروف.
صور التعاضد وكيفية تفعيله
التعاضد هو بمثابة الحسنة التي يقدمها الإنسان اليوم لغيره، ليعود أثرها عليه في يوم يحتاج فيه هو نفسه إلى العون. إنه شعور بالآخرين بغض النظر عن اختلافاتهم في العرق، اللون، الأصل، الدين، أو الشكل. التعاضد الحقيقي لا يعترف بهذه الفروقات، بل يتجاوزها ليجسد أسمى معاني الإنسانية. صور التعاضد متعددة ومتنوعة، وتختلف باختلاف القدرات والظروف.
التعاضد النفسي
يعد التعاضد النفسي من أبرز أنواع التعاضد، حيث يقدم الإنسان الدعم النفسي للآخرين. يمكن أن يكون هذا الدعم على نطاق ضيق، بين الأهل والأصدقاء، من خلال الاستماع إلى شكوى الآخر ومساعدته على التخلص من همومه. كما يمكن أن يكون على نطاق أوسع، مثل التضامن مع قضايا النساء والأطفال، أو تضامن الشعوب مع بعضها البعض، كما هو الحال في تضامن العرب مع الشعب الفلسطيني من خلال الدعاء والتنديد بأعمال الاحتلال.
التعاضد السياسي
يتمثل التعاضد السياسي في تقديم الدول المساعدة لبعضها البعض من خلال المواقف السياسية الداعمة لتحقيق المطالب ورفع الظلم، أو من خلال تقديم المساعدات المادية والمعنوية. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال جائحة كورونا، حيث سارعت العديد من الدول إلى تقديم المساعدات الطبية والغذائية واللقاحات للدول الأخرى.
التعاضد الاقتصادي
يتجلى التعاضد الاقتصادي على نطاقين: واسع وضيق. على النطاق الواسع، يتمثل في تضامن الشعوب مع بعضها البعض من خلال تقديم المواد الغذائية والطبية وإرسالها إلى الجمعيات التي تتولى توزيعها على المحتاجين، خاصة في حالات الكوارث الطبيعية والحروب. أما على النطاق الضيق، فيتمثل في توفير فرص العمل لأبناء المجتمع الواحد من خلال إنشاء المشاريع الصغيرة التي توفر وظائف لأصحاب الدخل المحدود.
التعاضد الاجتماعي
يشكل التعاضد الاجتماعي نقطة دعم قوية لأفراد المجتمع بأكمله، حيث يساعد القوي الضعيف بشتى الطرق، سواء كانت مادية أو معنوية. يصبح أفراد المجتمع كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
كل نوع من أنواع التعاضد يحقق فائدة حقيقية لأفراد المجتمع، سواء للمتبرع أو المتلقي، ويؤدي إلى توثيق العلاقات بين أبناء الوطن الواحد وبين الشعوب المختلفة. التعاضد هو اليد الحانية التي تمتد من الإنسان إلى أخيه الإنسان، وقد حثت عليه جميع المجتمعات الإنسانية، لما له من أثر عظيم على الشعوب.
الأثر الجوهري للتعاضد
التعاضد من القيم التي دعت إليها الأمم التي تنادي بالإنسانية وترفض كل ما يتعارض معها. وقبل ذلك، منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى تضامن الناس فيما بينهم. وقد تجلى ذلك في المؤاخاة التي عقدها بين المهاجرين والأنصار، حيث كان الأنصاري يقاسم المهاجر ماله وأرضه، وهو أروع مثال على جميع صور التعاضد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والنفسي.
التعاضد يحرر الإنسان من الأنانية التي تحاول أن تسيطر عليه وتحبسه في سجن الذات، ولكنه يكون الكاسر الحقيقي لقفل الذات، فتتحرر نفس الإنسان وتسمو فوق كل الرذائل، ولا يكون همه سوى مساعدة أفراد مجتمعه. للتعاضد أهمية بالغة في العمل في المؤسسات الاجتماعية، حيث يخرج الإنسان من نطاق العمل الفردي وينطلق إلى العمل الجماعي، فيتضامن الناجح مع زميله الأقل نجاحًا، فيكونون جميعًا كخلية النحل التي تعمل معًا لتحقيق النجاح.
عندما يشعر الإنسان بأن أخاه يحبه ويشاركه همومه، وأنه مستعد لتقديم المساعدة له، يشعر بالراحة والأمان، وتنتشر المحبة والسلام في المجتمع بدلًا من الأنانية والبغضاء. الإنسان لا ينتظر مقابلًا ماديًا من وراء التعاضد، بل يكفيه دعوة صادقة في ظهر الغيب.
التعاضد من أعظم الأخلاق التي إن تحلى بها الإنسان فقد امتلك مفاتيح الخير والفضيلة. لا يتحقق التعاضد إلا عندما يشعر الإنسان بآلام أخيه الإنسان. التعاضد هو الكلمة التي تبعث الأمان في وقت الخوف، فيعلم الفرد أنه ليس وحيدًا، وأن هناك أيادٍ كثيرة ستنتشله من بين الصعاب، فتطمئن روحه ويسعد قلبه، ويعلم أن الدنيا ما زالت بخير ما دام فيها أناس يشعرون بغيرهم ويقدمون لهم العون دون مقابل.








