دراسات حول العالم الشرقي: نظرة عامة

تحليل شامل للاستشراق: بداياته، تطوره التاريخي، أهدافه، وأبرز الشخصيات المرتبطة به. استكشاف تأثيره على فهمنا للشرق.

مقدمة عن الدراسات الشرقية

تُعرف الدراسات الشرقية (بالإنجليزية: Orientalism) بأنها منظومة نشأت أساسًا لأغراض سياسية استعمارية. وتتضمن دراسة لغات وآداب وأديان وفلسفات وتواريخ وفنون وقوانين المجتمعات الآسيوية، خصوصًا القديمة منها (وبالأخص منطقة الشرق الأوسط). ويشير المصطلح عمومًا إلى الشغف بالشرق الأقصى لدى الأوروبيين والأمريكيين. وهي مدرسة فكرية للإداريين والعلماء الاستعماريين البريطانيين.[1]

يُنظر إلى الدراسات الشرقية من زوايا مختلفة، فهي: [2]

  • مصطلح يدل على حركة جمالية معينة: خاصة في مجال الرسم والأعمال الفنية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (أثناء حملة نابليون على مصر).
  • مصطلح يشير إلى دراسة بلدان الشرق أثناء الغزو الاستعماري: من خلال إنشاء مؤسسات تجارية ودراسية من قبل الدول الأوروبية.
  • مصطلح يشير إلى الخطاب الثقافي: الذي أنتجه الاستعمار الأوروبي والأمريكي منذ القرن التاسع عشر، ويشمل هذا الخطاب الأفكار والتصورات عن الثقافة الشرقية والاستراتيجيات السياسية الخارجية والتدخلات الموجهة نحو بلدان الشرق الأوسط باعتبارها دولًا إسلامية.

أصول الاهتمام بالشرق

بدأت الدراسات الشرقية بالظهور بعد النهضة الصناعية والعلمية في أوروبا، أي منذ القرن السادس عشر وما بعده. وكان تأسيس الجمعيات العلمية في أوروبا بمثابة الانطلاقة الكبرى للدراسات الشرقية، ومن أهم هذه الجمعيات: الجمعية العلمية البنغالية والجمعية الأمريكية للدراسات الشرقية، والجمعية الملكية الآسيوية البريطانية التي لعبت دورًا هامًا في البحث والاستكشاف والتعرف على حضارة الشرق.[3]

يشير كتاب “ولادة الدراسات الشرقية” (بالإنجليزية: The Birth of Orientalism) إلى أن الدراسات الشرقية ظهرت في القرن الثامن عشر نتيجة لدوافع اقتصادية وسياسية ودينية، ويوضح كيف كان للصين واليابان دور كبير في ظهور هذا النظام العلمي في دراسة الشرق نتيجة لانتقال الحضارة من هذه البلدان إلى الهند.[4]

تطور الاهتمام بالدراسات الشرقية عبر الزمن

مرت الدراسات الشرقية بثلاث مراحل رئيسية، وهي: مرحلة الحملات الصليبية، ومرحلة عصر النهضة، ومرحلة الاستعمار:[5]

الدراسات الشرقية خلال الحملات الصليبية

خلال فترة الحملات الصليبية (من عام 1096م إلى 1291م)، جرت دراسة سلوك سكان الشرق، وخاصة المسلمين، وانتشرت العديد من الصور السلبية التي تمس الدين الإسلامي، والتي صدرت عن الباحثين.[5]

ويُرجع ذلك إلى أن الباحثين لم يتمكنوا من إتقان اللغة العربية بشكل صحيح، مما أدى إلى سوء الترجمة والفهم. وفي هذه المرحلة، أنتجت الدراسات الشرقية بعض الأيديولوجيات، وأهمها: أن الإسلام دين ثقافي نشأ عن جاليات عربية، وأن الإسلام انتشر لأسباب اقتصادية، وإظهار صورة خاطئة عن الدين الإسلامي على أنه يروج للعنف.[5]

الدراسات الشرقية في عصر النهضة

في هذه المرحلة، بدأ الاهتمام بدراسة الشرق والدين والسياسة على اعتبار أن العقيدة المتبعة في مناطق الشرق هي السبب في معاناة الإنسان، وبالتالي بدأت الدراسات التنموية بالظهور بدرجة كبيرة.

وهي تهدف بشكل أساسي إلى نقل الإنسان لمرحلة الاعتماد على العقل بدرجة كبيرة ونفض العقائد المتبعة جانبًا، وخلال هذه الفترة تم اتباع عدد من النماذج الدراسية من قبل الباحثين، أهمها: الاستقلالية، واستخدام الفلسفة الوضعية المنطقية، واستخدام الفلسفة التاريخية.[5]

الدراسات الشرقية في حقبة الاستعمار

كان الاهتمام بالشرق ظاهرًا في هذه الفترة من خلال الترحيب بعمليات الاستعمار لحل المشكلات الداخلية لبلدان الشرق المختلفة، ويتمثل ذلك في:[5]

  • تأسيس شركات كبيرة، وأهم مثال عليها “شركة الهند الشرقية” التي أدخلت نهج الرأسمالية.
  • نشر المسيحية من قبل المستعمرين الغربيين، وخاصة البريطانيين.
  • محاولة توجيه الشعوب لتحقيق النجاح عن طريق التخلي عن العادات والممارسات الثقافية الموروثة.
  • إدخال نظام التعليم الغربي والعلماني الذي فصل بين المعرفة العلمية والمعرفة الدينية.

الغايات الكامنة وراء الدراسات الشرقية

ظهرت الدراسات الشرقية لتحقيق أهداف معينة، وأهم هذه الأهداف:[6]

  • الهدف الديني: تم تحقيقه عن طريق البعثات التبشيرية إلى الأندلس، وما قاموا به من عمليات ترجمة للقرآن من العربية إلى اللاتينية، فمعرفة الدين الإسلامي أمر ضروري حتى تتم عملية مواجهته ضمن العملية التبشيرية.
  • الهدف العلمي: دراسة إنجازات الشرق وخاصة الحضارات القائمة فيه كانت سببًا في النهضة التي حققها الغرب، ومن هنا انصب اهتمام الغربيين بدراسة الشرق لتحقيق نهضة حقيقية تعود عليهم بالفائدة.
  • الهدف الاقتصادي: رغبة الدول الغربية بالاستفادة من المواد الخام في الشرق وطرح منتجاتهم في أكبر عدد ممكن من الدول كان سببًا في نشوء الاهتمام بالشرق، وذلك من خلال دراسة طبيعة بلدان الشرق وما تملكه من ثروات طبيعية.
  • الهدف السياسي الاستعماري: نشأت علاقة وثيقة بين الاستعمار والاهتمام بالشرق؛ حيث إن الاهتمام بالشرق عمل على تعزيز الموقف الاستعماري من خلال إظهاره على أنه الوسيلة لنجاة الشعوب المنهارة، ومن ناحية أخرى عزز الاستعمار مواقف أهم الباحثين من خلال تعيين بعضهم في مناصب سياسية حساسة.
  • الهدف الثقافي: حيث يتم نشر الثقافة الغربية واللغات الأوروبية ومحاربة لغات الشرق.

أشهر الباحثين في الدراسات الشرقية

لا يمكن حصر أسماء الباحثين في الدراسات الشرقية، فلكل باحث دوره المهم والبارز، ويمكن عرض عدد من الأسماء وما كان لها من دور فعال في هذا المجال:[7]

  • أبل: “Armand abel”: (1903 – 1973م)، باحث بلجيكي اهتم بشكل خاص بالمجادلات بين المسلمين والنصارى، واهتم بالسياسة المعاصرة في الشرق الأوسط، وخاصة العالم العربي.
  • أرينيوس: “Tomas erpenius”: (1584 – 1624م)، باحث هولندي من أهم من نقل العلوم العربية إلى اللغة اللاتينية.
  • أستبانث كلدرون: “Esrafin estebanez calderon”:(1799 – 1876م)، كان له دور كبير في الأدب والسياسة والإدارة، واحتل مراكز عليا في القيادات العسكرية.
  • اسخولتنز: “Albert schultens”: (1686 – 1750م)، باحث هولندي، درس اللاهوت واللغة اليونانية واللغة العبرية، ثم درس اللغات العربية، وكان له دور كبير في العملية التبشيرية.
  • سكيابرلي: “Celestion schiaparelli”: (1841 – 1919م)، باحث إيطالي ساعد في ترجمة العديد من الكتب العربية إلى اللاتينية.
  • اشبرنجر: “Aloys sprenger”: (1813 – 1893م)، باحث نمساوي تخصص في الكتابة في المجال العقدي الديني، خاصة بكل ما يتعلق بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.

أهم المؤلفات حول الدراسات الشرقية

تعددت الكتب التي تناولت دراسة الشرق، ومن أهم هذه الكتب:[8]

  • كتاب الدراسات الشرقية: لإدوارد سعيد، وفيه يتناول سعيد الطرق التي حارب بها الغرب الشرق على مدار 2000 عام، ومجموع الاستنتاجات التي تبطل استنتاجات الباحثين عن الشرق، وأهم المشاريع للاستشراق في الشرق.[8]
  • المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية: لإسماعيل عمايرة؛ يناقش هذا الكتاب أهم الدوافع وراء دراسة اللغة العربية من قبل الباحثين لتحقيق الأهداف السياسية والعقدية والاقتصادية، كما يبين أهم النظريات الموضوعة من قبل المستشرقين حول نشأة اللغة العربية.[9]
  • المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية بحث في الجذور التاريخية للظاهرة الاستشراقية: لإسماعيل عمايرة، تناول هذا الكتاب الأسس التي قام عليها الاهتمام بالشرق من خلال طرح العلاقة بين الإسلام والغرب، ثم يقدم الأسباب التي ساعدت على زيادة الفجوة بين الشرق والغرب إلى أن يصل إلى الواقع الجديد للاستشراق.[10]

ملخص واستنتاجات

نشأ نظام الدراسات الشرقية لأهداف سياسية دينية تجارية اقتصادية، وعُني بدراسة الشرق والشرق الأوسط في مختلف المجالات، وكان له مظهر ثقافي وآخر عسكري لفرض السيطرة الغربية وتطوير القوة العلمية والعسكرية على حساب الشرق.

وقام بشكل أساسي على إظهار الأيديولوجيات الغربية بصورة المخطط لها فيما يتعلق بالشرق وآسيا والهند والصين على اعتبارهم مهد الحضارات، مما ساعد على تحقيق أهدافه وهي: تغيير الثقافة الشرقية وإتباعها بالثقافة الغربية في طرق التفكير والمعيشة والتعليم.

المراجع

  1. “Orientalism cultural field of study”,britannica
  2. “Orientalism”,sciencedirect
  3. جامعة بابل، “نشأة الدراسات الشرقية”
  4. “The Birth of Orientalism”,upenn
  5. “Analysing Stages of the Western Orientalists’ Approach towards Islam”, Issue 9, Folder 9, Page 982. Edited.
  6. سعد آل حميد، أهداف الاستشراق ووسائلة، صفحة 2-11.
  7. عبد الرحمن البدوي، موسوعة المستشرقين، صفحة 12-28.
  8. “The 100 best nonfiction books: No 8 – Orientalism by Edward Said (1978)”,theguardian
  9. إسماعيل عمايرة، المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية، صفحة 6-11.
  10. فريق مكتبة الكتب، “كتاب المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية بحث في الجذور التاريخية للظاهرة الاستشراقية”
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

استكشاف الابتكارات المعاصرة: نظرة شاملة

المقال التالي

نظرة شاملة على تقنية الاستشعار عن بعد

مقالات مشابهة