فهرس المحتويات
الصور الفنية في قصيدة سلوا قلبي
تُعتبر قصيدة “سلوا قلبي” لأحمد شوقي من عيون الشعر العربي، حيث تتجلى فيها قدرة الشاعر على توظيف الصور الفنية والبلاغية لإثراء المعنى وإضفاء الجمال على النص. يعتمد شوقي في قصيدته على مجموعة متنوعة من الأدوات البلاغية مثل الاستعارة، والمجاز، والتشبيه، لخلق تجربة شعرية مؤثرة. فيما يلي تحليل لبعض هذه الصور:
الاستعارة
تعتبر الاستعارة من أبرز السمات البلاغية في القصيدة. فهي تمنح الكلام عمقًا وتعبيرًا جماليًا. ومن أمثلة الاستعارة في القصيدة:
- سَلوا قَلبي: استعارة مكنية بديعة، حيث صور الشاعر القلب وكأنه إنسان يُسأل، ولكنّه حذف الإنسان (المشبه به) وأبقى على صفة من صفاته وهي السؤال. هذه الاستعارة تضفي على القلب صفة الإنسانية وتجعله محورًا للحوار والتساؤل.
- تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا: استعارة مكنية أخرى، حيث شبّه الجمال بالإنسان الذي يملك القدرة على الترك والأخذ، ثم حذف المشبه به (الإنسان) وأبقى على لازمة من لوازمه وهي الترك. هذه الاستعارة تجسد تأثير الجمال وقدرته على تغيير مسار الأمور.
- وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا: هنا استعارة مكنية تصور القلوب ككائن يتحمل العذاب ومشاقه، حذف المشبه به وهو الإنسان وأبقى على شيء من لوازمه.
المجاز
يستخدم الشاعر المجاز للتعبير عن المعاني بطريقة غير مباشرة، مما يثير الخيال ويدعو إلى التأمل. ومن الأمثلة على المجاز في القصيدة:
- إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً: في هذا البيت، يمنح الشاعر القلب صفة إنسانية، وكأنه شخص يمكن سؤاله والتحدث معه. هذا يمثل مجازًا لغويًا، حيث يستخدم القلب كناية عن المشاعر والأحاسيس الداخلية.
- تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا: هنا، يجسد الشاعر الدمع وكأنه كائن حي قادر على الإجابة والتعبير. هذا المجاز يبرز قوة الحزن والألم الذي يعتصر القلب، حيث يصبح الدمع وسيلة للتعبير عن تلك المشاعر.
التشبيه
التشبيه هو أسلوب بلاغي يستخدم للمقارنة بين شيئين يشتركان في صفة معينة. يستخدم الشاعر التشبيه لتوضيح المعنى وتقريبه إلى ذهن القارئ. ومن أمثلة التشبيه في القصيدة:
- هُما الواهي: تشبيه بليغ، حيث يشبه الدم واللحم بالواهي مباشرة، مما يدل على الضعف والوهن الذي يعانيه الشاعر. تم حذف أداة التشبيه ووجه الشبه لتركيز الانتباه على قوة المشبه والمشبه به.
- كَأَنَّ القَلبَ بَعدَهُمُ غَريبٌ: تشبيه مجمل، حيث يشبه القلب بالغريب، مع ذكر أداة التشبيه (كأنّ). يصف هذا التشبيه حالة الوحدة والعزلة التي يشعر بها الشاعر بعد فراق الأحبة.
- أَرى دُنياكَ أَفعى: تشبيه بليغ يصور الدنيا كأفعى خبيثة، تحذف أداة التشبيه ووجه الشبه للتركيز على قوة المشبه والمشبه به.
نص القصيدة
إليكم نص قصيدة “سلوا قلبي” لأمير الشعراء أحمد شوقي:
سَلوا قَلبي غَداةَ سلا وَثابا
لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا
وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً
تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا
وَلي بَينَ الضُلوعِ دَمٌ وَلَحمٌ
هُما الواهي الَّذي ثَكِلَ الشَبابا
تَسَرَّبَ في الدُموعِ فَقُلتُ وَلّى
وَصَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ ثابا
وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ
لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا
وَأَحبابٍ سُقيتُ بِهِم سُلافاً
وَكانَ الوَصلُ مِن قِصَرٍ حَبابا
وَنادَمنا الشَبابَ عَلى بِساطٍ
مِنَ اللَذاتِ مُختَلِفٍ شَرابا
وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ يُطوى
وَإِن طالَ الزَمانُ بِهِ وَطابا
كَأَنَّ القَلبَ بَعدَهُمُ غَريبٌ
إِذا عادَتهُ ذِكرى الأَهلِ ذاباوَلا يُنبيكَ عَن خُلُقِ اللَيالي
كَمَن فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَالصَحابا
أَخا الدُنيا أَرى دُنياكَ أَفعى
تُبَدِّلُ كُلَّ آوِنَةٍ إِهابا
وَأَنَّ الرُقطَ أَيقَظُ هاجِعاتٍ
وَأَترَعُ في ظِلالِ السِلمِ تابا
وَمِن عَجَبٍ تُشَيِّبُ عاشِقيها
وَتُفنيهِمِ وَما بَرَحَت كَعابا
فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي
لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِياب
لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ
وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً
وَذُقتُ بِكَأسِها شُهداً وَصابا
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً
وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ باباوَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلّا
صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَبِ اللُبابا
وَلا كَرَّمتُ إِلّا وَجهَ حُرٍّ
يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً
وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابافَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها
كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً
وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
فَلَو طالَعتَ أَحداثَ اللَيالي
وَجَدتَ الفَقرَ أَقرَبَها اِنتِياباوَأَنَّ البِرَّ خَيرٌ في حَياةٍ
وَأَبقى بَعدَ صاحِبِهِ ثَوابا
وَأَنَّ الشَرَّ يَصدَعُ فاعِليهِ
وَلَم أَرَ خَيِّراً بِالشَرِّ آبافَرِفقاً بِالبَنينِ إِذا اللَيالي
عَلى الأَعقابِ أَوقَعَتِ العِقاباوَلَم يَتَقَلَّدوا شُكرَ اليتامى
وَلا اِدَّرَعوا الدُعاءَ المُستَجاباعَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا
عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذاباوَتُلفيهُمْ حِيالَ المالِ صُمّاً
إِذا داعي الزَكاةِ بِهِم أَهابا
لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللَهِ مِنهُ
كَأَنَّ اللَهَ لَم يُحصِ النِصابا
وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً
كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا
المراجع
- أحمد شوقي – ويكيبيديا
- “سلوا قلبي غداة سلا وثابا”،الديوان








