مقدمة في فضل الصبر
الحمد لله رب العالمين، الواحد القهار، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد، ولم يكن له شريك في الملك. هو الأول والآخر، الظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. نحمده حمد الشاكرين، ونستعينه استعانة المذنبين، ونتوكل عليه توكل المؤمنين. الحمد لله الذي أرشد عباده إلى فضيلة الصبر، وجعلها لهم نوراً وهداية، وبشرهم بالجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها من عذاب النار، وتشفع له بدخول الجنة. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل من صبر على الأذى، وتحمل المشاق في سبيل الله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
دعوة للتمسك بتقوى الله
أيها الإخوة والأخوات، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين. تقوى الله هي أساس كل خير، وباب كل فلاح، ومفتاح كل سعادة. اتقوا الله في السر والعلن، في القول والعمل، في الرخاء والشدة. واعلموا أن الله معكم حيثما كنتم، يسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم وعلانيتكم. قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
نظرة في طبيعة الابتلاءات وأثرها
أيها المؤمنون، إن الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، لا تصفو لأحد، ولا تدوم على حال. فالسعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه. الابتلاءات هي سنة كونية، وقانون إلهي، لا يستثني منها أحد. تصيب المؤمن والكافر، البر والفاجر، ولكنها للمؤمن رفعة في الدرجات، وتكفير للسيئات، وزيادة في الحسنات. بينما تكون للكافر عذاباً وهلاكاً، وخسارة وندامة. الابتلاء يكون بأنواع شتى، وصور مختلفة، قد يكون في الصحة، أو في المال، أو في الولد، أو في الأهل، أو في الجاه، أو في السلطان. وقد يكون بالخوف، أو بالجوع، أو بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات. كما قال الله -تعالى-: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 155].
الناس عند نزول الابتلاءات على صنفين: صنف يجزع ويسخط، ويتذمر وييأس، ويعترض على قضاء الله وقدره، فهذا الصنف خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وصنف يصبر ويحتسب، ويرضى بقضاء الله وقدره، ويتوكل على الله ويثق به، فهذا الصنف فاز بالدنيا والآخرة، وذلك هو الفوز العظيم. هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين﴾ [آل عمران: 146].
يا عباد الله، المؤمن الحق هو الذي يعلم أن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له. والصبر على البلاء هو الخير كله، لأنه يوصل إلى محبة الله ورضوانه، وإلى جنته ونعيمه. لقد بشر الله الصابرين ببشرى عظيمة، فقال -تعالى-: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
تذكروا، ليس الأجر على المصائب الكبيرة فقط، بل حتى على الأمور اليسيرة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ» [رواه البخاري].
تذكير برحمة الله وتخفيف المصائب
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور. الحمد لله الذي جعل مع العسر يسراً، ومع الشدة فرجاً، ومع البلاء عافية.
عباد الله، إن من رحمة الله -تعالى- بعباده أن أخبرهم بوقوع المصائب قبل وقوعها، وهيأ لهم الاستعداد لها بالصبر والاحتساب. هذه الدنيا دار فناء وزوال، وليست دار خلود وبقاء، فلم يسلم منها أحد، لا الأنبياء ولا الرسل، ولا الصالحون ولا الأخيار، ولكنهم كانوا أسوة حسنة في الصبر والثبات، والرضا والتسليم. فاصبروا واحتسبوا، وتأسوا بهم، فإنكم ستلقون الله يوم القيامة وهو راض عنكم، وستدخلون الجنة من باب الصابرين.
أيها المسلمون، تذكروا أن كل مصيبة تهون، وكل بلية تصغر، إذا كانت في الدنيا، أما الابتلاء في الدين فهو أعظم المصائب، وأكبر البلايا. فاحمدوا الله -تعالى- على نعمة الإسلام، وعلى نعمة الإيمان، وعلى نعمة العافية، واسألوه الثبات على الدين، وحسن الخاتمة.
تأملوا في سيرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، كيف تحمل الأذى والاضطهاد من قومه، وكيف صبر على فقد الأحبة والأصحاب، وكيف واجه الصعاب والتحديات، بالصبر والحكمة، والثقة بالله والتوكل عليه. قال تعالى: ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”
ابتهال إلى الله بالدعاء
عباد الله، ارفعوا أكف الضراعة إلى الله، واسألوه من فضله العظيم، فإنه جواد كريم، قريب مجيب. ندعوك يا الله، بما دعاك به نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم- في أحلك الظروف: اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا، إلى من تكلنا؟ إلى بعيد يتجهمنا؟ أم إلى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن عافيتك أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم ارزقنا الصبر على البلاء، وعوضنا خيراً مما فقدنا، واجعلنا من الشاكرين لنعمك، الحامدين لآلائك. اللهم اجعلنا ممن تقول لهم في الآخرة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24]. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك. اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، سرها وعلنها، ما علمنا منها وما لم نعلم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قائمة المراجع
- القرآن الكريم
- صحيح البخاري
- كتب التفسير والسنة النبوية








