أشكال التعبير الكتابي في العصر العثماني
شهد العصر العثماني اهتمامًا ملحوظًا بفنون الكتابة، حيث تفنن الأدباء في صياغة النصوص بأساليب متنوعة، تاركين إرثًا أدبيًا زاخرًا بالمعاني والتجارب الإنسانية. تطورت الأساليب الكتابية خلال هذه الفترة، وبرزت أنواع مختلفة من الكتابة، تعكس التنوع الثقافي والفكري الذي ساد في تلك الحقبة.[1]
من بين أبرز هذه الفنون الكتابية:
الكتابة الدينية
استمرت الكتابة الدينية في الازدهار، مقتفية أثر العصور السابقة. انتشرت أشعار المديح النبوي، والإشادة بآل البيت، والأدعية، والابتهالات، كوسيلة للتعبير عن الحب والتقدير للدين الإسلامي.[2]
الكتابة الرسمية
سعى كتّاب الكتابة الرسمية خلال العصر العثماني إلى تحقيق معايير الكتابة الأدبية المعروفة. الكتابة الرسمية في تلك الفترة لم تتقبل الأساليب اللغوية المزخرفة، لذلك اتجه الكتاب إلى الموضوعية والترسل في أسلوبهم، كما يتضح في كتابات عبدالله فكري الديوانية.[3]
التراخيص المعرفية والأدبية
كانت الإجازة العلمية بمثابة شهادة تقدير في الأدب، يقدمها الأدباء لطلابهم الذين درسوا على أيديهم. كانت تُكتب بلغة بليغة تعكس قدرتهم الأدبية وإبداعاتهم الفنية، وتميزت بتقسيم الجمل وتشكيلها بطريقة فنية.[4]
التعقيبات
هي عبارة عن نص قصير يُكتب كتعليق على نص آخر، وغالبًا ما تكون الإجازة. أدخلها أدباء العصر العثماني في فنون الكتابة، متبعين الأساليب الأدبية في كتابتها. يغلب على هذا الفن روح المودة والإخاء في مضمونه، والتأنق في أسلوبه.[5]
مهارة الخطابات
ازدهرت الرسائل وتنوعت في العصر العثماني، واختلفت من حيث الطول والقصر والبلاغة والإسهاب. تنقسم الرسائل إلى: الرسائل الأدبية، والرسائل الشخصية، والرسائل التي تتضمن أغراض الشعر، والرسائل الوصفية، ورسائل التأليف.[6]
أسلوب المَقَامَة
شهد فن المقامة تراجعًا في العصر العثماني، على الرغم من أن الأدباء في هذا العصر كتبوا مقامات كثيرة بأسلوب جديد وفي أغراض الوصف والرثاء والغزل، إلا أن فن المقامة في العصر العثماني لم يصل إلى مستوى المقامة في العصر العباسي.[7]
أدب الأسفار
يُعتبر أدب الرحلات فنًا متميزًا لما يتميز به من تنوع المضامين وتداخلها. يتطلب هذا الفن استعدادًا خاصًا وشروطًا معينة تساعد على الإلمام بالمادة، مثل الثقافة الواسعة ودقة الملاحظة والقدرة على التقاط التفاصيل المعبرة. انقسمت الرحلات في العصر العثماني إلى نوعين:[8]
- الرحلات الدينية: ويكون الهدف منها الذهاب إلى الديار الحجازية لأداء مناسك الحج، مثل رحلة المقري التي دونها في كتابه “رحلة المقري إلى المشرق والمغرب”.
- الرحلات العلمية: لطلب العلم بالذهاب إلى أماكنه ومواطنه والالتقاء بأهله وخاصته، مثل رحلة أبي راس الناصر التي وردت في كتاب “فتح الإله”.
الأقوال المأثورة والحِكَم
هي أقوال موجزة تُطلق على سبيل المثل والحكمة، باستخدام الفنون البديعية الجديدة تحت مسمى “إرسال المثل”. جاءت هذه الأمثال والحكم نتيجة لتأمل الأدباء في أحداث الحياة وتجاربهم الشخصية.[9]
المقال
ظهر المقال استجابة لمتطلبات الحياة السياسية والاجتماعية، حيث بدأ المثقفون في العصر العثماني بالكتابة في قضايا سياسية واجتماعية ودينية، وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده.[10]
أعلام الكتاب في العصر العثماني
برز في العصر العثماني أدباء كتبوا في كل الفنون الكتابية، نذكر منهم:
- الشهاب الخفاجي: اسمه أحمد بن محمد بن عمر قاضي القضاة، ومن مؤلفاته: “طراز المجالس” و”النفحة القدسية”.[11]
- بدر الدين الغزي: اسمه أبو البركات بدر الدين الشافعي الغزي، وُصف بأنه الفقيه والمفسر والمحدث والنحوي والمقرئ فريد الدهر وأوانه وابن عباس زمانه سيد أهل الحديث، من مؤلفاته: “تيسير التبيان في تفسير القرآن” و”التفسير المنظوم الكبير والصغير”.[12]
نماذج من الكتابات العثمانية
تزخر الكتب في العصر العثماني بفنون كتابية متنوعة، وفيما يلي بعض الأمثلة:
المقامة الرومية للخفاجي:
“أنبأنا النعمان بن ماء السماء عن شقيق وقد نظمني وإياه سلك المحبة بوادي العقيق قال: خرجت مختبطا ورق الكرم وقد صوح ربيع الآمال والهمم حتى عز الحطيم ورعى الهشيم فطو حتى الطوائح بأرجوحة الأماني وهزتني الأشعبية إلى ماجد يبارز الزمن الجاني، سمح السجية”.[13]
مقالة الشيخ محمد عبده:
“إنّ كثيرًا من ذوي القرائح الجيدة إذا أكثروا من دراسة الفنون الأدبية ومطالعة أخبار الأمم وأحوالهم الحاضرة تتولد في عقولهم أفكار جليلة وتنبعث في نفوسهم همم رفيعة”.[14]
المصادر
- حسين علي الهنداوي،أشكال الخطاب النثري في العصر العثماني، صفحة 17- 18. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 23-26. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 27-29. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 30-31. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 32-33. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 34-37. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 39-41. بتصرّف.
- لخضر سعيد بلعربي،فنون النثر الأدبي في الجزائر على العهد العثماني، صفحة 334 339 349. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 42-43. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب النثري العثماني، صفحة 47-54. بتصرّف.
- محمد سيد كيلاني،الأدب المصري في ظل الحكم العثماني، صفحة 276-278. بتصرّف.
- عمر موسى باشا ،تاريخ الأدب العربي في العصر العثماني، صفحة 613-615. بتصرّف.
- محمد سيد كيلاني ،الأدب المصري في ظل الحكم العثماني، صفحة 253. بتصرّف.
- حسين الهنداوي،أشكال الخطاب في العصر العثماني، صفحة 49-50. بتصرّف.








