أحكام صلاة القصر

شرح لأحكام صلاة القصر، شروط قصر الصلاة، مدة قصر الصلاة بالسفر، الحالات التي يمتنع فيها القصر، والمراجع.

جدول المحتويات

أحكام صلاة القصر للمسافر

صلاة القصر هي من السنن المؤكدة للمسافر، ويُكره عليه إتمام الصلاة لغير سبب. [١] يُصلي المسافر الصلاة الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) ركعتين، وأجاز الشافعية والحنابلة له الإتمام. بينما ذهب الحنفية إلى أن القصر واجب وليس جائزاً، والواجب عندهم أقل مرتبة من الفرض، ومُساوٍ للسنة المؤكدة. لذلك يُكره عليه الإتمام. لكن إذا صلاها تامة فهي صحيحة، وعليه عدم ترك الجلوس الأول لأنه فرضٌ بالنسبة له، لكنه يكون مُسيئاً بتركه للواجب.

أما المالكية، فقالوا: إن القصر من السنن المؤكدة، وهو آكد من صلاة الجماعة، وإن تركه فلا إثم عليه، لكنه يُحرم من ثواب السنة. [٢]

بالتالي، يُمكن القول إنّ القصر إما رُخصة جائزة، وهو قول جمهور الفقهاء، أو من باب العزيمة الواجبة، وهو رأي الحنفية.

الشروط الواجب توافرها لصلاة القصر

لا يُمكن للمسافر أن يُقصر صلاته إلا بعد توافر بعض الشروط.

* **الصلوات المُقصرّة:** هي الصلوات الرباعية فقط (الظهر والعصر والعشاء)، ولا قصر في صلاتي الفجر والمغرب. [٤] * **مسافة السفر:** لم يُحدد الشرع مسافة محددة للسفر الذي يُبيح القصر، لكن العلماء تعدّدت أقوالهم في تحديدها.
* رأى جمهور المالكية والشافعية والحنابلة أن المسافة المُبيحة للقصر هي مسيرة يومين أو أكثر، وتُعادل ثمانين كيلومتراً.
* بينما رأى بعض العلماء أن المسافة المُبيحة للقصر هي مسيرة ثلاثة أيام، وعلّق بعضهم ذلك على العُرف. فكل ما جاز إطلاق لفظ “السفر” عليه في العرف، فهو من السفر المُبيح للقصر.
* **السفر المباح:** لا يجوز قصر الصلاة في السفر الذي يقصد صاحبه منه المعصية، لأنّ ذلك يُعتبر إعانة على المعصية والدعوة إليها. وأجاز المالكيّة والشافعيّة القصر في السفر المكروه، بينما منعه الحنابلة.
* **مُفارقة عُمران القرية:** نصّت الآية الكريمة على أن: “(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)”. [٧] لا يُعتبر الإنسان ضارباً في الأرض إلا بِشُروعه في السفر.
* ودلّل العلماء على ذلك بِفعل النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي رواه عنه أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “(صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمَدِينَةِ أرْبَعًا، وبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ)”. [٨] * عُمران البلد هي البيوت المتصلة بالقرية، فيُشترط أن يكون قد تجاوزها من الجهة المُراد السفر منها، ولا يُشترط غياب البيوت عن نظره.
* أما ساكن البادية فيكون ذلك بتجاوز خيام قبيلته، وساكن الجبل بتجاوز مكانه. أما إن كان السفر في البحر فيبدأ القصر بتحرك السفينة.
* **عدم حضور الصلاة في الحضر:** إذا حضرته الصلاة وهو في الحضر وقضاها في السفر فيجب عليه الإتمام.
* **عدم الاقتداء بمُقيم:** من اقتدى في سفره بِمُقيم يجب عليه الإتمام.
* **مدة الإقامة:** يُسمح فيها بالقصر، وسيأتي لاحقاً تفصيل المدّة عند الفقهاء.
* **القصد في السفر:** بحيث يكون هناك وجهة مُعينة أو قصداً ونيّة للسفر.
* **الاستقلال بالرأي:** من كان مُسافراً وتابعاً لغيره كالزوجة أو الجندي، ولا يعرف مقصده، فلا يجوز له القصر.
* **نيّة القصر:** عند الإحرام بالصلاة، وهو شرط عند الشافعية والحنابلة، واكتفى الحنفية بنيّة السفر قبل الصلاة.
* **البُلوغ:** وهو شرط عند الحنفية، بخلاف جمهور الفقهاء الذين يرون قصر الصلاة للصبي.
* **استمرار السفر:** من أول وقت الصلاة إلى آخرها، وهو شرط عند الشافعية.

مدة قصر الصلاة في السفر

اختلف العلماء في تحديد مدة الإقامة في السفر التي يجوز فيها للمسافر قصر الصلاة.

* **المالكية والشافعية:** ذهبوا إلى أن المسافر يقصر الصلاة إذا نوى الإقامة في سفره أربعة أيام فأقل، وإن نوى أكثر من ذلك، فإنه يتوقّف عن القصر ويُصليها كاملة من أول يوم. [٩] * **الحنفية:** ذهبوا إلى أن المسافر يجوز له القصر إن أقام في بلدٍ مدة خمسة عشر يوماً فأقل، وإن نوى أكثر فيجب عليه الإتمام. واستدلوا على ذلك بِقياسه على مُدة الطُّهر للمرأة. لأن المُدّتان يرجع الشخص بعدهما إلى الأصل. وإن لم يعلم مُدّة سفره، فإنه يبقى يقصُر حتى وإن طالت المدّة لسنين. [١٠] بخلاف الشافعية الذين قيّدوا ذلك بثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج.
* **الحنابلة:** قالوا إن المسافر يُتمّ صلاته إذا نوى الإقامة أربعة أيام. [١٠] * **ابن تيمية:** ذهب إلى أن المسافر يبقى يقصُر في الصلاة ما دام مُسافراً حتى يرجع. [٩]

الحالات التي يمتنع فيها قصر الصلاة

هناك بعض الحالات التي لا يجوز فيها قصر الصلاة للمسافر، وهي تختلف باختلاف المذهب الفقهي.

* **الحنفية:** لا يجوز للمسافر القصر إن نوى الإقامة نصف شهرٍ ببلد واحد والعودة إلى وطنه، وعند اقتدائه بِمُقيم، وعدم استقلاله بالرأي، وعدم قصده وجهة مُعينة، وبمجرد نيّة العودة ولو لم يعُد.
* **المالكية:** دخوله إلى البلد الذي يُريد الرجوع إليه، حتى وإن لم يكن موطنه، أو الرجوع إلى وطنه الأصلي، أو مُروره بموطنه وإن أراد محلاً آخر، وكذلك نية الإقامة أربعة أيام.
* **الشافعية:** إن اقتدى بِمُقيم أو برجل مشكوكٍ في سفره، وعند عدم قصده لِجهةٍ مُعينة، وعدم استقلاله برأيه، أو إذا كان السفر في معصية، وعند انقطاع السفر أثناء وقت الصلاة، وعدم نيّة القصر أثناء الإحرام.
* **الحنابلة:** مُروره بموطنه، أو بِبلدٍ له فيها زوجة، أو بِبلدٍ تزوّج فيه، أو إذا أحرم مُقيماً في الحضر ثمّ سافر، أو دخل عليه وقت الصلاة وهو في الحضر، أو أحرم في سفرٍ ثمّ أقام، وكذلك إن أراد قضاء صلاةٍ في السفر وكان قد نسيها في الحضر، أو عند اقتدائه بِمُقيم، أو مشكوكٍ في سفره، وإذا أحرم بالصلاة، ثمّ قطعها لِعُذرٍ وكان قد نواها تامّة بعد اقتدائه بِمُقيم، فعليه إعادتها تامة، أو إذا لم ينوِ القصر في بداية الصلاة، بالإضافة إلى تركه الصلاة عامداً في السفر بعد خروج وقتها، فيجب عليه الإتمام، وكذلك إذا عزم على قلب نيّته في السفر من طاعةٍ إلى معصيّة، أو تاب في السفر من نيّته للسفر في معصية، أو نوى الإتمام في بداية الصلاة، أو نوى الإقامة المطلقة في البلد المُراد السفر إليها.

المراجع

[١] عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار (1425هـ)، الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم (الطبعة العاشرة)، الرياض، مدار الوطن للنشر، صفحة 181. بتصرّف.
[٢] عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (2003)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، صفحة 427، جزء 1. بتصرّف.
[٣] كمال بن السيد سالم (2003)، صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، القاهرة، المكتبة التوفيقية، صفحة 473، جزء 1. بتصرّف.
[٤] وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة الثانية)، الكويت: دار السلاسل، صفحة 280، جزء 27. بتصرّف.
[٥] عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار (1425هـ)، الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم (الطبعة العاشرة)، الرياض، مدار الوطن للنشر، صفحة 184-188. بتصرّف.
[٦] وهبة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة)، دمشق، دار الفكر، صفحة 1349-1358، جزء 2. بتصرّف.
[٧] سورة النساء، آية: 101.
[٨] رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1089، صحيح.
[٩] عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي، فتاوى منوعة، صفحة 23، جزء 21. بتصرّف.
[١٠] أبوهبة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة)، دمشق، دار الفكر، صفحة 1347-1349، جزء 2. بتصرّف.
[١١] وهبة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الطبعة الرابعة)، دمشق، دار الفكر، صفحة 1367-1370، جزء 2. بتصرّف.
[١٢] عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري (2003)، الفقه على المذاهب الأربعة (الطبعة الثانية)، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، صفحة 433-437، جزء 1. بتصرّف.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

أحكام صلاة العيد للنساء

المقال التالي

أحكام صلاة المسافر

مقالات مشابهة

أحكام النفقة على الأولاد

تُعدّ نفقة الأب على أولاده واجباً دينياً وإنسانياً، وتُحدّد الشريعة الإسلامية شروطاً وقيوداً لضمان عدالة وتوزيع عادل للواجبات. سنستعرض في هذا المقال الأحكام الشرعية المتعلقة بنفقة الأب على أولاده، مع التركيز على شروط النفقة الواجبة وفضلها.
إقرأ المزيد