مقدمة
تعتبر الأضحية من الشعائر الإسلامية العظيمة، وهي سنة مؤكدة على القادرين من المسلمين. الأضحية هي ما يذبحه المسلم من بهيمة الأنعام (الإبل، البقر، الغنم) تقربًا إلى الله تعالى في يوم عيد الأضحى وأيام التشريق. وقد اختلف الفقهاء في بعض الأحكام المتعلقة بالأضحية، ومن بينها حكم إهداء الأضحية أو ثوابها للآخرين.
وجهات نظر الفقهاء الأربعة في إهداء الأضحية
تباينت آراء علماء المذاهب الفقهية الأربعة في مسألة إهداء الأضحية، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
- الحنفية: يرى الأحناف كراهة نقل الأضحية أو إهدائها إلى بلد آخر، إلا إذا كان للمضحي أقارب في ذلك البلد، أو إذا علم بوجود أناس هناك أشد حاجة وفقرًا من أهل بلده.
- المالكية: يرى المالكية كراهة إهداء لحم الأضحية إلى غير المسلمين من اليهود والنصارى.
- الشافعية والحنابلة والمالكية: يتفق هؤلاء على عدم جواز إهداء الأضحية أو نقلها إلى مسافة تعتبر قصرًا للسفر (حوالي 81 كم). ويستثنى من ذلك إذا كان أهل المكان المنقول إليه أشد فقرًا وحاجة من أهل بلد المضحي، فحينئذ يجب إهداء ونقل القدر الأكبر إليهم، وتوزيع المتبقي على العائلة والأقارب. وذهب الحنابلة إلى جواز إهداء غير المسلمين من أضحية التطوع والصدقة، بينما منعوا إهداءهم شيئًا من الأضحية الواجبة، مثل أضحية النذر.
حكم التضحية عن الآخرين عند الفقهاء
اختلف الفقهاء في حكم التضحية عن الغير على النحو التالي:
- الشافعية: لا يجوز عند الشافعية ذبح الأضحية عن شخص آخر إلا إذا وكله أو أذن له بذلك. كما لا يجوز ذبح الأضحية عن المتوفى إذا لم يوصِ بذلك في حياته، مستدلين بقول الله تعالى: “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى”. أما إذا أوصى المتوفى بالتضحية عنه، فإنه يجوز ذلك، بل يجب التصدق بكل الأضحية على الفقراء، ولا يجوز لمن قام بتنفيذ الوصية ولا لغيره من الأغنياء الأكل منها، لعدم إمكانية أخذ الإذن من المتوفى في الأكل منها.
- المالكية: يكره المالكية ذبح الأضحية عن المتوفى إذا لم يكن قد حددها قبل وفاته. أما إذا حددها دون أن ينذر بها، فيستحب للوارث تنفيذ ذلك.
- الحنفية والحنابلة: يجيز الحنفية والحنابلة ذبح الأضحية عن المتوفى. ويجيز الحنابلة لمن يضحي عن المتوفى أن يقوم بذبحها وتوزيعها والأكل منها، تمامًا كما يفعل مع أضحية الأحياء، على أن يصل الثواب إلى المتوفى. بينما يرى الحنفية تحريم الأكل من الأضحية التي ذبحها وضحى بها عن المتوفى.
حكم إهداء ثواب الأضحية للنبي صلى الله عليه وسلم
لا يجوز إهداء ثواب الأضحية أو فعلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لعدم ورود ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، وهم أحرص الناس على اتباع هديه وسنته ومحبته وفعل الخير.
فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دلّ أحدًا على فعل ذلك، كما دلهم على الصلاة عليه وسؤال المقام المحمود له بعد سماع الأذان. وذلك لأن كل عمل صالح تقوم به أمته، فإن ثوابه يصل إليه؛ لأنه هو سبب هدايتهم إلى فعله والقيام به.
أشكال التضحية عن الأموات
هناك ثلاثة أشكال للتضحية عن الأموات:
- التضحية عنهم مع الأحياء: كأن يضحي الشخص عن نفسه وعن أهل بيته، ويشمل في نيته الأموات والأحياء. وهذه الصورة جائزة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه “كان يضحي عنه وعن أهل بيته وفيهم من قد مات من قبل، كخديجة رضي الله عنها”.
- التضحية عن الأموات تنفيذًا لوصاياهم: وهذه الصورة واجبة على الموكل بتنفيذ الوصية ما دام قادرًا على فعلها. وقد توعد الله تعالى من بدل الوصية أو غيرها بالإثم، حيث قال: “فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ”.
- التضحية عن الأموات استقلالاً: كأن يذبح الشخص أضحية مستقلة لابنه المتوفى أو لوالدته المتوفية. وهذه الصورة جائزة أيضًا، وقد ذكر فقهاء الحنابلة أن أجرها يصل إلى المتوفى وينتفع به، كالصدقة وغيرها من الأعمال الصالحة. إلا أن الأفضل تجنب ذلك لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لم يضح عن أحد من أمواته بشكل مستقل مهما كانت درجة قرابته.
المراجع
- محمد بن عبد العزيز المسند، كتاب فتاوى إسلامية، صفحة 322.
- وهبة الزحيلي، كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، صفحة 2742 – 2744.
- محمد صالح المنجد، كتاب موقع الإسلام سؤال وجواب، صفحة 4495.
- سورة البقرة، الآية 181.








