محتويات
نَسَب أبي صخر الهُذليّ وحياته
أبو صخر الهذليّ، واسمه عبد الله بن سلْم السهميّ، ينحدر من قبيلة مرمض. تذكر المصادر بشكل مختصر نسب الشاعر، على عكس العادة في ذِكْر الأنساب. وقد أكَّد أبو الفرج في ترجمته هذا النَّسَب، مستنداً إلى نسخة السكريّ التي تُعتبَر من أتمّ النُّسَخ.
تُحيط الغموضُ بِحياة الشاعر، ولم يُعرف الكثير عن تفاصيلها. يشير نوري القيسي في كتابه إلى أنَّ حياة الشاعر امتدَّت حتى عام 126هـ، ووردت أخباره بشكل متفرِّق في عام 127هـ.
يُذكر أنَّ له ولداً يُدعى داوود، مات في حياة أبي صخر، فجَزع عليه جَزَعاً شديداً، ورثاه في قصيدة يصل عدد أبياتها إلى أربع وستين بيتاً. [1]
أشار الشاعر في البيت الثاني من القصيدة إلى ابنٍ آخر له اسمه محمد، إلّا أنّه لم تتوفر أخبار عنه. ذكر أبو الفرج في أخباره أنَّه لم يكن لأبي صخر الهذلي إلّا ابن واحد.
يُذكر أيضاً أنَّ أبا صخر الهذليّ كان يُحبّ امرأة من بني قضاعة اسمها ليلى بنت سعد، وتُكنَّى بأمّ حكيم. كان بينهما تواصل لفترة من الزمن، إلّا أنَّها تزوَّجت رجلاً آخر، ورحلت معه إلى قومه. أثار ذلك في نفسه الشوق والحنين حتى قال فيها القصائد. [1]
يُعتبَر أبو صخر الهذليّ شاعراً إسلاميّاً منشعراء الدولة الأمويّة. كان شديد التعصُّب لبني مروان، ونظم قصائد المدح في عبد الملك بن مروان، وأخيه عبد العزيز. [2]
مواضيع شعر أبي صخر الهذلي
كان أبو صخر الهذليّ من الشعراء الذين كانت مواقفهم تَشهد لهم؛ فقد دافع عن مواقفه وتحمَّل من أجلها. وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ النقّاد والأدباء يصنِّفونه كأحد الشعراء الإسلاميّين.
عند دراسة الشعر الإسلاميّ، فإنّ القارئ لا يجد من يَستشهدُ بشعره، ولا من يحلِّل مضامينه الشعريّة. إضافة إلى أنّه لم يتمّ تصنيفه مع طائفة من الشعراء الذين تجمعهم خصائص مُعيَّنة.
وكذلك الحال عند دراسة الشعر الأمويّ، فلا تُدَرَس حياته ضمن الاتّجاهات الخاصّة بالشعر الأمويّ على الرغم من شُهرة قصائده. [1]
لقد جُمِع شِعر الهذليّ ضمن ديوان الهذليّين، ونُشِر في شَرح أشعار الهذليّين لأبي سعيد السكريّ.
يجد الناظر في شعره بعضاً من قصائده وقد اتّخذت الشكل التقليديّ للقصيدة؛ حيث تناول موضوع الغَزل، وذَكر المرأة التي يهواها مُستخدماً عدّة رموز وأسماء وهميّة تدلّ عليها. تُعبِّر هذه القصائد عن عاطفة حسّاسة صادقة تترسَّخ في قلوب من يقرأ شعره.
ومن اللافت للنظر أنّ أبا صخر الهذليّ بَرَع في شِعر الوَصْف؛ فقد صوَّر طبيعة هُذيل بما فيها من ثرى، وأراضٍ، ورياحٍ، وندى. كما ذَكر الأماكن التي لها أثر في حياته؛ لاقترانها بأيّام عزيزة على قلبه.
كان أبو صخر من الشعراء الذين وظَّفوا شِعرهم في مديح الأمويّين.
من ناحية أخرى، فقد كان الرثاء حاضراً في أشعار أبي صخر؛ إذ يستطيع القارئ أن يستشعرَ الحسرة في مرثيّته لابنه، والتي بلغ عدد أبياتها أربعاً وستّين بيتاً.
سَلك فيها ما سَلك في مُقدِّمة رثائه لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد. [1]
قطوف من أشعار أبي صخر الهذلي
قال أبو صخر يمدح أبا خالد عبد العزيز بن خالد بن أسيد: [3]
أَرَائحٌ أنتَ يَوْمَ اثنَينِ أمْ غَادي
ولمْ تُسَلِّم عَلى ريحانَةِ الوَادِي
ومَا ثَناكَ لَها والقوْمُ قَدْ رَحَلُوا
إلّا صَبَابةُ قلبٍ غَيرِ مِرْشادِ
إنّي أَرَى مَن يُصاديني لأهْجرَها
كزَاجرٍ عَن سَبيلِ اللهِ صَدَّادِ
لولا رَجاءُ نوالٍ مِنكِ آمُلُهُ
والدهرُ ذُو مِرَرٍ قَد خَفَّ عُوادي
يا حبَّذا جُودُها بالبَذلِ تَخلطُهُ
بالبخلِ بَعدَ عِتابيها وَتعدَادِ
يوحبَّذا بُخْلُها عَنّا وقد عَرَضتْ
دُونَ النوالِ بِعلّات وألدَادِ
تَجلو عوارضَ ذِي ظُلمٍ إذا ابتسمتْ
كلَوْحِ مُزْنَةِ عَرضٍ ذَاتِ أرصادِ
ممكورةُ الخَلقِ مُرتَجٌّ رَوادِفُهَا
راقتْ على حَاضرِ النسوانِ وَالبَادي
يُصبي تَبسُّمهَا مَن لا يكلِّمُهَابِ
مِثلها يَشتفي ذُو النيقَةِ الصَّادي
يا أَطيبَ الناس أرداناً ومُبْتَسماً
كيف العزاءُ وَقدْ زَوَّدتني زَادي
وقرَّة العَيْن قد عادَ الهوى ذِكراً
وعَادَ لي منك وَسْواسي وَأفنادي
قامت تُودّعُنا والعينُ مُشعِلَةٌ
في واضحٍ مِثلِ فَرقِ الرأسِ مُنقادِ
تَغشى عوائده طُوراً وتنظمهُ
نَشْطَ النَّواسجِ في أنيار جُدّادِ
والطَّرفُ في مُقلةٍ إنسانُها غرقٌ
بالماءِ تَذري رَشاشاً بعد أجوادِ
لولا الحفيظةُ شقَّت جَيْب مُجسدِهَامِن
كَاشحينَ ذوي ضغنٍ وأحقادِ
ماذا غَداة ارْتَحلنا من مُجَمِجَمةٍ
تُخفي جَوى قدْ أسرته بآبادِ
ومن مسرٍ سَقاماً لا يَبُوحُ بهِ
على الذي كان يخفي قبل مزدادِ
ومن عيونٍ تَساقى الماء ساجمةً
ومن قُلوبٍ مريضات وأكبادِ
إنَّ القُلوبَ أقامت خَلفنا وثوتْ
فما غَدت عِيرُنا إلا بأجسادِ
يا أمَّ حسَّان أنَّي والسرى تعبٌ
جُبت الفلاةَ بلا نعتٍ ولا هَادي
إلى قلائصَ لم تُطرح أزمَّتها
حتى وَنينَ وملَّ العُقبة الحاديلَها
وَها وَمالوا على الأشزانِ فاضطجَعُوا
على طنافِسَ لم تنفضْ وألبادِ
وقال أبو صخر الهذليّ في الغزل: [4]
أَمَا والذي أَبْكَى وأَضْحَكَ، والذي
أَماتَ وأَحيا، والذي أَمْرُه الأَمْرُ
لقد تَرَكَتْنِي أَغْبِطُ الوَحْشَ، أَن أَرى
أَلِيفَيْنِ منها، لا يَرُوعُهما الزَّجْرُ
إِذا ذُكِرَتْ يَرْتاحُ قَلْبي لِذِكْرِها،
كما انْتَفَضَ العُصْفُور، بَلَّلَه القَطْرُ
تَكادُ يَدِي تَنْدَى، إِذا ما لَمسْتُها،
وتَنْبُتُ، في أَطْرافِها، الوَرَقُ الخُضْرُ
وصَلْتُكِ حتى قِيلَ: لا يَعْرِفُ القِلَى
وزُرْتُكِ حتى قِيلَ: ليس له صَبْرُ
فيا حُبَّها زِدْني هَوىً كلَّ ليلةٍ
ويا سَلْوةَ الأَيّامِ مَوْعِدُكِ الحَشْرُ
عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدَّهْرِ بيني وبينَها
فلمّا انْقَضَى ما بيننا، سَكَنَ الدَّهْرُ
المراجع
- نوري القيسي. (1405هـ، 1985م). شعراء أمويون (الطبعة الأولى). بيروت: عالم الكتب. صفحة 11، 13، 14، 20، 23، 35، 36، 37. بتصرّف.
- عبد القادر البغدادي. (1030هـ، 1093م). خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب (الطبعة الرابعة). القاهرة: مكتبة الخانجي. صفحة 261، 262، 263، جزء الثالث. بتصرّف.
- أبو سعيد السكري. شرح أشعار الهذليين. القاهرة: مكتبة دار العروبة. صفحة 939، 940، 941، جزء الأول. بتصرّف.
- “أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا”. www.madeena.org. 14-11-2015. اطّلع عليه بتاريخ 4-5-2018. بتصرّف.








