مقدمة: المطر علامة النقاء
الأمطار تغسل الأرواح وتنقيها، وتضمد جراح القلوب. يرى الكثيرون في الشتاء، وخصوصًا وقت نزول المطر، فصلًا يفيض بالمحبة والعطاء، والأمل والصفاء. إنها الفترة التي تتلاشى فيها الهموم والأحزان، وتمحى آثار الآلام بقطرات الندى في الصباح الباكر بعد ليلة ممطرة.
كم من نفوسٍ أنهكها العذاب، وتملكها اليأس، ولا تتفوه إلا بكلمات الشكوى والتذمر. تبدو هذه الأرواح وكأنها تعصف وتزمجر في كل لحظة، وتمتلئ بالكره لكل ما يحيط بها. ولكن، مع بداية موسم الأمطار، ومع أولى القطرات التي تهطل على الأرض، وتفوح رائحة الشتاء المنعشة، تبدأ الغيوم الملبدة بالانقشاع، والأوجاع بالتلاشي. لا يبقى سوى الأمل ببداية مرحلة جديدة. فسبحان الخالق العظيم، مبدع السماوات والأرض ومنزل الغيث.
صلب الة: المطر مصدر الحياة
الحياة ليست ذات وتيرة واحدة! بل هي عبارة عن فصول متتالية، لكل فصل منها إيقاعه الخاص. ولكن أي الفصول هو الأكثر حيوية، وشفاءً، ونقاءً، وولادة، وانبعاثًا؟ إنه فصل الشتاء، حيث يهطل المطر حاملًا معه رسالة حب وميلاد جديد، ونشوة وانتصار على الموت الذي كاد أن يودي بالكائنات الحية التي تملأ الأرض، وحتى الجمادات.
الأرض الشاسعة عانت من شهور الجفاف الطويلة، حتى لم يبق فيها ذرة ماء أو رطوبة. ثم جاء فصل الكرم والعطاء، وجادت السماء بأمطارها، فارتوت الأرض وتجددت الحياة. بدأت بعض الأعشاب تنمو بخجل من بين ثنايا الأرض، وكأنها تتساءل: “ألم يأن الأوان لنخرج من مخابئنا الصغيرة؟ هيا يا أخواتي، لنخرج ونملأ الأرض خضرة وبهاء. أما يكفيها قحط وجفاف؟ لقد وهبنا رب الكون لونًا تزهو به الأيام، وتتحقق به الأحلام، وتنبعث به الحياة. فنحن غذاء الأنعام”.
ها قد نبتت الأزهار، وتورقت الأشجار، ونضجت الثمار، وأصبح لكل شجرة ظل يستظل به الغريب أو عابر السبيل، أو العامل المتعب الذي يكد في الحقول الشاسعة باحثًا عن رزقه ورزق أبنائه. آن له أن يستريح في موسم العطاء، ويستظل بظل شجرة تدلت ثمارها، لتكون ملاذًا لفمه من عطش القلوب وجوع البطون. قطرات المطر، وحيدة ومتوحدة في آن واحد، تهبط إلى الأرض ولا تفارقها حتى تثمر الأشجار، ويحتار المرء أي صنف يختار.
الأنهار التي كادت تجف، عادت إليها الحياة بفضل قدرة الله الذي أرسل المطر، فسقى الأرض وأرواها حتى امتلأ جوفها. وما فاض من الماء ظل يجري حتى ملأ أركان الدنيا، وأنهارًا وبحارًا وينابيع وشلالات تتدفق من أعالي الجبال، لا يكاد المرء يحصي هديرها. فتمتلئ الوديان وتجري الأنهار، معلنة ميلاد عصر جديد.
انتفضت الكائنات البحرية التي لولا الوحل لما بقي منها شيء. ولكن المطر سقى الأرض وانهمر، فرقصت الأسماك فرحًا. ووضعت الأسماك بيوضها، وبدأ موسم التكاثر. وبعد فترة وجيزة، دبت الحياة في الماء. مجموعة تتراقص هنا، وأخرى تعزف ألحان الخلود.
خرج الدب متثاقلًا من وكره يبحث عن قطرة عسل تسد جوعه وتروي ظمأ روحه التي أرهقها الجفاف. فقد جاء موسم المطر حاملًا معه الحياة لكل كائن يمشي على الأرض، وخاصة ذوات الأربع. تكاثرت الحيوانات ورقصت فرحًا بالخضرة والغذاء والماء الذي سقى الأرض حتى الثمالة. ورحل المطر تاركًا خلفه فصولًا جديدة تُكمل مسيرة البقاء. رحل المطر، لكن آثاره باقية، وستظل ما بقيت الحياة على هذه الأرض. فكيف تزول وقد ملأت جوف الأرض وفوقها؟ تبارك الله أحسن الخالقين.
فرح الإنسان، وعادت الحياة إلى موطنه وأرضه. سُقيت مزارعه، وعم الفرح المكان، فغلال الأرض ستزداد أضعافًا مضاعفة. سيحصد المزارعون المحصول في وقته، وسيبيعون ويتصدقون، وسيملأون جيوبهم بالمال الحلال. وكيف لا يكون حلالًا، وهو كله من أرزاق الله لهذه المزارع التي ارتوت حتى تفجرت شقوقها ينابيع ماء وحياة. امتدت فروع الأشجار نحو السماء، شاكرة الله على هذا العطاء. ما أجمل الفرح حين يكون هبة من الرحمن، وحين يأتي مع المطر. ما أسعد القلوب بالمطر، وما أسعد الناس بالخيرات. هبات المطر كثيرة لا تنتهي.
خرج الأطفال من بيوتهم وركضوا نحو السهول الفسيحة، حيث الجنان وكل شيء فاتن. رفعوا أكفهم نحو السماء، ودعوا رب الخلائق أن يفيض عليهم النعم، وزادوه شكرًا وثناء. لعبوا وفرحوا وملأوا الأكوان ضياء. وخرجت فتيات صغيرات كالأزهار المتفتحة في الأرجاء. لبسن أجمل الفساتين والأحذية الملونة، قفزن مرة واختبئن أخرى، وركضن في البراري. لم يوقف ضحكاتهن سوى هبوط الليل وانقشاع الضياء. هذا ما جلبته نعم السماء وانهمار المطر، وكأن سعادة أبدية خُلقت لأجلهن.
ما إن انتهى موسم المطر، حتى دبت حياة أخرى على أغصان الشجر. عصافير تزقزق هنا وهناك، وأخرى تبني أعشاشها بخفة، ترقص فرحًا باستقبال موسم جديد من الفراخ الصغيرة التي ستملأ المكان بعد مدة ليست بطويلة. وما إن تضع الطيور بيضها حتى يفقس، معلنًا عن القادم الجديد. ترقص فرحًا بقدوم فراخها، وتطعمها وتسقيها الحب والحنان، وتريها جمال الأكوان. حتى تبدأ بعض الريشات الصغيرة بالظهور، وما هي إلا فترة قصيرة حتى تبدأ بتعليمها الطيران في كل مكان، لتزقزق وتملأ الكون ألحانًا، وبسماعها تنتهي أشجان الإنسان.
نساء الحي خرجن في زيارات لبعضهن البعض. تلك أنجبت وينبغي تهنئتها، وتلك عاد ابنها من السفر، وأخرى شُفي زوجها، وتلك فقيرة في الحي ينبغي وصلها والسؤال عنها. كم أنتن جميلات يا نساء الحي! يخرج الرجال للعمل فرحين بما آتاهم الله من خيرات، عائدين بما وهبهم الله من نعم. بيت نظيف، سفرة شهية تتصاعد منها رائحة الأطعمة الزكية، الأولاد مرتاحون فقد لعبوا حتى أفرغوا ما في دواخلهم من طاقات، وبرغم الإرهاق فهم سعداء، متحلقين حول طاولة الطعام يرمقون وجه أبيهم الغالي الذي يملؤه الرضا والهناء. ولم تنس الزوجة الصالحة جارتها من طبق فيه بعض الطعام أو قطع من الحلوى صنعتها بحب هي وبناتها الصغيرات.
الخاتمة: أنغام المطر لحن الطبيعة
بعد أن عزفت قطرات المطر موسيقاها فوق الحقول والوديان، وروت الأرض وأحيتها، وسقت الأشجار والأغصان، وعمرت ما في الأرض إنسانًا وحيوانًا، وجعلت الأشجار مساكن للطيور، وجعلت للزهور رائحة لا تزول، جاءت النهاية. نهاية موسم الجفاف وبداية أرض رطبة ومروية، فلا يسع كل ما في الكون إلا أن يسجد للخالق شكرًا على ما أنعم علينا.








