محتويات
- علم عبد الله بن مسعود
- أول من جهر بالقرآن
- سعة علمه في القرآن
- حفظه للقرآن عن ظهر قلب
- ملازمته للنبي
- ابن مسعود والفتوى
علم عبد الله بن مسعود: علامة من علامات الصحابة
كان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يُعدّ من أبرز علماء القرآن في زمن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد حظي باحترام وتقدير كبيرين من النبي نفسه. قال عنه أبو مسعود الأنصاري: “والله ما أعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك أحداً أعلم بكتاب الله من هذا، يريد عبد الله بن مسعود”.[١]
لم يكن تعليم عبد الله بن مسعود مقتصراً على كونه واحداً من الصحابة المعلمين، بل أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أهمية تعلّم القرآن من أربعة صحابة، وكان عبد الله بن مسعود أولهم، حيث قال: “(خُذُوا القُرْآنَ مِن أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، فَبَدَأَ به، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ)”.[٢]
وُصف صوت عبد الله بن مسعود، كما جاء في الحديث النبوي، بأنه مُطابق لما نزل به القرآن الكريم. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “(مَن أَحَبَّ أن يقرأَ القرآنَ غضًّا كما أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْ على قراءةِ ابنِ أُمِّ عبد)”.[٣]
شجاعة إيمانية: عبد الله بن مسعود أول من جهر بالقرآن
تميّز عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- بشجاعةٍ فريدةٍ، دفعت به إلى أن يكون أول من جهر بقراءة القرآن الكريم في مكة المكرمة أمام المشركين، متحدياً إياهم مُظهراً قوة إيمانه. روى عروة بن الزبير: “أوَّلُ مَن جهَرَ بالقُرآنِ بمكَّةَ بعدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ”.[٤]
كانت هذه الشجاعة نابعة من إيمان قوي، ودافعاً لِتغيير مجتمعٍ غارقٍ في الكفر والشرك. اجتمع أصحاب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في يومٍ من الأيام، وناقشوا ضرورة جهر قراءة القرآن أمام قريش، لِسماعهم كلام الله. كان عبد الله بن مسعود مُتأهباً لتقديم هذه الخدمة العظيمة، لكنّهم خشوا عليه من بطش قريش. فسألته: “إننا نخاف أن يؤذوك لأنه لا عشيرة لك، وإنما نريد رجلاً له قوم وعشيرة يدافعوا عنه”.[٥]
فأجابهم عبد الله بن مسعود بثقة: “إنّ الله سيكون معه”، ثمّ ذهب إلى المقام، حيث كانت قريش مجتمعة، وقرأ بصوت عالٍ: “بسم الله الرحمن الرحيم” ، ثمّ تلا: “الرَّحْمَـنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ”.[٦]
شعرت قريش بالغضب من قراءة ابن مسعود، فسألته: “ماذا يقول ابن أم عبد؟”. وعندما علموا أنه يقرأ القرآن، اعتدوا عليه، ضاربين إياه على وجهه.[٥]
واصل ابن مسعود قراءة القرآن، حتى بلغ من قراءته ما شاء الله، ثم عاد إلى أصحابه، وكان واضحاً على وجهه آثار اعتداء قريش. فقالوا له: “هذا الذي خشينا عليك”، فأجابهم بِشجاعةٍ: “ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون”.[٥]
سعة علمه وفهمه للقرآن: عبد الله بن مسعود يُراجع القرآن مع النبي
كان لعبد الله بن مسعود دورٌ مهمّ في عرض القرآن الكريم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل عام، وكان حاضراً للعرضة الأخيرة. [٧]
لم يُسبقه أحد في علم القرآن، وقد روى ابن سيرين عن عبد الله بن مسعود قوله: “لو أعلم أحدا أحدث بالعرضة الأخيرة منّي تناله الإبل لرحلت إليه”.[٨]
تُظهر لنا هذه الروايات سعة علم ابن مسعود، وتفهمه العميق للقرآن الكريم، وقد برز ذلك في تفسيره للآيات، فكان يقول: “قُرئَتْ عنده هذه الآية، أو قرأها:(إِنَّ إِبراهيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّـهِ)،[٩]فقال عبد الله بن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتا، فسُئل عبد الله، فقال: هل تدرون ما الأمة؟ الأمة الذي يعلم الناس الخير، والقانت الذي يطيع الله ورسوله”.[١٠]
حفظه للقرآن: عبد الله بن مسعود أحد القلائل الذين حفظوا القرآن كاملاً
يُعدّ عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- من الصحابة القلائل الذين حفظوا القرآن كاملاً في حياة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد رُوي عنه بسند ضعيف أنه قال: “(قرأت على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سبعينَ سورةً وختمت القرآنَ على خيرِ الناسِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه).[١١]
ملازمة عبد الله بن مسعود للنبي: صداقة قوية وحبّ مُتبادل
كانت علاقة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- علاقة قوية ومُتميزة، وقد لازمه حتى ظنّ البعض أنه من أهله، قال أبو موسى الاشعري: “(لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أرى إلا ابن مسعود من أهله)”.[١٢]
كانت علاقة الصداقة بينهما وثيقة، فقد كان عبد الله بن مسعود صاحب سِرّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وشاركه في السفر بفراشه وسواكه ونعليه وطهوره.[١٣]
حظي بمكانة خاصة لدى النبي، فقد قال بعض الصحابة عند وفاته: “أتراه ترك بعده مثله؟ فقال: إن قلت ذاك، إن كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا)”.[١٤]
كان عبد الله بن مسعود مشابهاً للنبي -صلى الله عليه وسلم- في صفات عديدة، فقد روى حذيفة بن اليمان: “(ما أعرف أقرب سمتا وهديا ودلا برسول الله صلى الله عليه سلم من ابن أم عبد)”.[١٥]
عبد الله بن مسعود: إمام في الفتوى
يُعدّ عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- من أبرز الصحابة في مجال الفتوى، وقد وضع منهجاً خاصاً للفتوى سار عليه وأوصى به. وقد شهد له الصحابة بعلمه، وفضّلوه على أنفسهم. قال التابعي عبد الله بن بريدة عن تفسير آية “قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا” [١٦]: “هو عبد الله بن مسعود”. [١٧]
شهد له علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعلمه، وقال: “قرأ القرآن فأحل حلاله وحرم حرامه، فقيه في الدين، عالم بالسنة”.[١٨]
نصيحة معاذ بن جبل: الرجوع إلى عبد الله بن مسعود في الفتوى
أوصى معاذ بن جبل الناس بالرجوع إلى عبد الله بن مسعود في الفتوى، عندما حضره الموت، وقال: “التمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعند عبد الله بن سلام”.[١٩]
منهج عبد الله بن مسعود في الفتوى
يُخبرنا ابن القيم في “إعلام الموقعين عن رب العالمين” أن ابن مسعود من الصحابة السبعة المكثرين من الفتيا.[٢٠]
كان منهجه في الفتوى يعتمد على: النظر في كتاب الله، ثم السنة النبوية، ثم فتاوى الصحابة والصالحين. وإن لم يجد المُجتهد ما سبق، اجتهد برأيه.[٢١]








