تعتبر الآيات القرآنية الكريمة مصدر هداية ونور للمسلمين، تحمل في طياتها معاني عميقة ودلالات عظيمة. ومن بين هذه الآيات، تبرز الآية الكريمة (فسيكفيكهم الله) من سورة البقرة، والتي تحمل وعداً إلهياً بالنصرة والحماية. في هذا المقال، سنتناول تفسير هذه الآية الكريمة، واستكشاف معانيها ودلالاتها، وكيف تجسد الإعجاز الغيبي فيها.
المعنى الإجمالي للآية وسياقها
وردت هذه الآية الجليلة ضمن سياق الحديث عن دعوة أهل الكتاب المقيمين في المدينة المنورة إلى اعتناق الإسلام والإيمان بالنبي محمد ﷺ، الذي كانوا يعرفون صفاته وأخباره في كتبهم. إلا أن الآيات أشارت إلى أن إيمانهم كان أمراً مستبعداً، على الرغم من الأدلة الواضحة التي قدمها القرآن الكريم على صدق النبي ﷺ، وذلك بسبب تعصبهم لأجناسهم ورفضهم أن يكون النبي من نسل إسماعيل عليه السلام.
لقد كان الغرور والتعنت اللذان اتصف بهما أهل الكتاب سبباً في ابتعادهم عن الإيمان الحق. وجاءت الآية لتؤكد أن الحرص على إيمانهم كان من باب الرحمة والشفقة عليهم، وليس لحاجة المسلمين إليهم، فالإسلام قوي بأهله.
وقد جاء الخطاب الرباني قاطعاً وحاسماً في قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة: 137]. فإذا آمن أهل الكتاب إيماناً شاملاً بجميع الرسل والأنبياء، دون تفرقة بينهم، فقد سلكوا طريق الهداية. فهل يهتدي من يفرق بين الأنبياء؟
شرح تفصيلي للآية
فيما يلي تحليل مفصل للآية الكريمة، بهدف فهم الوعد الإلهي الوارد فيها، ودلالات هذا الوعد العظيم:
(فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا): الشرط الأساسي لقبول إيمان أهل الكتاب ونجاتهم من عذاب الله تعالى هو ألا يقتصر إيمانهم على الأنبياء المذكورين في كتبهم فقط، بل يجب عليهم الإقرار بنبوة كل نبي ظهرت الدلائل على نبوته. فالله سبحانه وتعالى قد بين السبيل الواضح في الدين المقبول عنده، وهو الإيمان بجميع الأنبياء والرسل.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ): أي إذا رفضوا الإيمان بنبوة محمد ﷺ، فإنهم في خلاف وعداوة وضلال. كلمة “شقاق” تحمل ثلاثة معانٍ تتناسب مع حال اليهود: العداوة للمؤمنين، والخلاف معهم، والضلال عن طريق الحق.
(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ): هذا وعد وضمان من الله تعالى لنبيه الكريم ﷺ بالنصر على أهل الكتاب الموجودين في المدينة المنورة وما حولها.
(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): الله سبحانه وتعالى سميع لأقوالهم الباطلة، وعليم بما يضمرونه من كيد وعداوة. وهو عليم بحكمته في تأخير العقاب، وعليم بما يقدره لعباده من أقدار وابتلاءات.
الإعجاز في التنبؤ بالمستقبل في قوله: (فسيكفيكهم الله)
لقد وعد الله تعالى نبيه الكريم ﷺ بأنه سيكفيه شر بني إسرائيل المقيمين في المدينة المنورة. السين في كلمة (فسيكفيكهم) تدل على المستقبل القريب جداً، مما يعني أن الوعيد الذي سينالهم سيتحقق قريباً لا محالة، وسيراه النبي ﷺ بعينه.
وقد تحقق هذا الوعد الإلهي بالفعل، وتنوعت صور إنجازه لأهل الكتاب في المدينة وما حولها، كما يلي:
- يهود بني قينقاع: تم إجلاؤهم عن ديارهم وهجروا المدينة.
- يهود بني النضير: تم إجلاؤهم عن ديارهم وهجروا المدينة.
- يهود بني قريظة: قتل رجالهم، وتم سبي نسائهم وأطفالهم.
- يهود خيبر: صالحوا المسلمين على دفع الجزية وهم صاغرون، واشترطوا أن يخرجهم المسلمون متى شاؤوا، وقد حدث ذلك في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
المراجع
- السمرقندي، بحر العلوم، صفحة 97. بتصرّف.
- برهان الدين البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، صفحة 191. بتصرّف.
- محمد أبو زهرة، زهرة التفاسير، صفحة 242. بتصرّف.
- الرازي، مفاتيح الغيب، صفحة 73. بتصرّف.
- الزمخشري، الكشاف، صفحة 196. بتصرّف.
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، صفحة 143. بتصرّف.








