معاني سورة التغابن وتفسيرها

استعراض لقدرة الله في الخلق، وتكذيب المشركين بالألوهية والبعث، وبيان مصير المؤمنين والكافرين في يوم القيامة، وتشجيع المؤمنين على طاعة الله والتوكل عليه، والتحذير من فتنة الدنيا.

إبراز قدرة الخالق في الكون

في بداية السورة الكريمة، يوضح الله -عز وجل- مظاهر عظمته وقدرته في الخلق والإبداع، وعلمه المحيط بكل شيء، وإرادته النافذة. يؤكد -سبحانه وتعالى- أنه الخالق لكل البشر، وأن الناس انقسموا إلى فريقين: فريق آمن به ووحده، وفريق كفر به وأشرك معه غيره. يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وفي ختام هذه الآية تأكيد على أن الله عالم بكل ما يفعله الناس من أعمال، سواء كانت كفراً أو إيماناً.

ثم يبين -جل شأنه- أنه خلق السموات والأرض بالحق والعدل، وبحكمة عظيمة، وذلك لتحقيق مصالح العباد الذين خلقهم في أحسن صورة وأكمل تقويم. قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ويشير إلى أن المرجع والعودة يوم القيامة ستكون إليه -سبحانه-، حيث سيحاسب كل فرد على ما قدم من عمل.

بعد إثبات الخلق، يوضح -تعالى- أنه يعلم كل ما في السموات والأرض، حتى ما يخفيه الناس وما يظهرونه، فلا يخفى عليه شيء. يقول تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وختام الآية بالتأكيد على علمه -سبحانه- بما يضمره كل إنسان في قلبه من أسرار ومعتقدات، يدل على شمولية علمه -عز وجل-.

رفض المشركين لوحدانية الله والبعث

قال الله -تعالى-: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّـهُ وَاللَّـهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ* زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ* فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

تبدأ الآيات بسؤال استنكاري لأحوال الكفار، وكأنهم لم يسمعوا بأخبار الأمم السابقة التي كفرت بالله، كقوم نوح وهود وعاد -عليهم السلام- وغيرهم، وكيف أنهم نالوا جزاء كفرهم، ولهم ضرر كبير وهو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

ثم يوضح الله -تعالى- سبب استحقاقهم للعذاب، وهو أن الرسل جاؤوا بالمعجزات والبراهين الواضحة، لكن هذه الأمم استنكرت وتعجبت من أن يكون الرسل بشراً مثلهم، فأعرضوا عن التفكر في المعجزات التي تثبت صدق الرسالة، ولما كان هذا حالهم، أظهر الله -تعالى- غناه عنهم وعن عبادتهم، إذ أهلكهم، والله غني عن كل شيء، محمود من كل شيء.

بعد ذلك يرد الله -تعالى- على ادعاء الكافرين بأنهم لن يبعثوا للحساب والجزاء يوم القيامة؛ بنفي هذا الادعاء، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يقسم بربه أنهم سيخرجون من قبورهم، ثم ليخبرن بأعمالهم؛ ليحاسبوا عليها، وأن هذا الأمر سهل على الله -سبحانه-، لما أكد من قدرته على كل شيء في بداية السورة.

وكنتيجة حتمية لقدرة الله على البعث للحساب والجزاء، يأتي أمر الله -تعالى- لهم بالإيمان به -سبحانه- وبرسوله محمد -صلّى الله عليه وسلّم-، وبالقرآن الكريم الذي هو النور الذي أتى به رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كما أتى الرسل بالبينات للأمم السابقة، مؤكدا -سبحانه- على أنه العليم بكل أعمالهم، لا يخفى عليه شيء.

مآل المؤمنين والكافرين في الآخرة

بعد إثبات قدرته -سبحانه- على البعث، واستحقاقه للعبادة، يوضح الله -تعالى- مصير كل من المؤمنين والكافرين. فمن آمن بالله -تعالى- وعمل الصالحات، فله المغفرة، والخلود في الجنة ذات الأنهار الجارية، إشارة إلى النعيم المقيم فيها، واصفاً ذلك بأنه الفوز العظيم. أما من كفر وكذب بآيات الله -تعالى-، فمصيره النار، واصفاً ذلك بأنه المصير التعيس.

حيث يقول الله -تعالى-: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّـهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

تشجيع المؤمنين على الإمتثال لأوامر الله والتوكل عليه

يدعو الله -تعالى- المؤمنين إلى عدم الجزع عند المصائب، فكل شيء بقضاء وقدر، ويحثهم على طاعة الله -تعالى- وطاعة الرسول محمد -صلّى الله عليه وسلّم-. ومن أعرض عن طاعة الله ورسوله، فما على الرسول إلا البلاغ، مؤكداً -سبحانه- على أنه لا معبود بحق إلا الله، وعليه وحده فليتوكل المؤمنون.

إذ يقول -جل وعلا-: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ* اللَّـهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

تنبيه من إغراءات الحياة الدنيا

يقول الله -تعالى- محذراً من فتنة الدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّـهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ* فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

يخبر -سبحانه- أن بعض الأزواج والأولاد قد يكونون سبباً في انشغال المرء عن الأعمال الصالحة، وقد يدفعونه إلى التقصير أو الاعتداء، فيكون مفتوناً بحبه لهم عن أوامر الله ونواهيه. لذلك أمرنا -عز وجل- بالحذر من ذلك، ووجهنا إلى كيفية التعامل معهم بالعفو والصفح والمغفرة، فإن الله غفور رحيم.

ثم يأمر -سبحانه- عباده المؤمنين الذين أوصاهم بالحذر من فتنة الأزواج والأولاد، بتقوى الله والسمع والطاعة، والإنفاق في سبيله -تعالى-، فالخير من الإنفاق يعود على المنفق نفسه، فالذي يدفع عنه بخل نفسه يكون هو المفلح في عمله وعاقبته.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تبسيط معاني سورة التحريم للصغار

المقال التالي

فهم سورة التكاثر للصغار: معاني ودروس

مقالات مشابهة