في إحدى الليالي الأكثر قتامة في التاريخ الفلسطيني الحديث، تحولت قرية دوما الهادئة إلى مسرح لمأساة إنسانية هزت الضمائر. نتذكر اليوم استشهاد رهام والدة الرضيع الفلسطيني علي دوابشة، فبعد صراع مؤلم مع الحروق الشديدة، لحقت رهام بزوجها سعد ورضيعها علي، تاركة وراءها قصة ألم عميق وتساؤلات حول طبيعة الحروق وتأثيرها المدمر على الجسم البشري.
هذه المأساة لا تسلط الضوء فقط على وحشية الاعتداء، بل تعلمنا أيضاً عن التأثير المدمر للحروق الشديدة والمضاعفات التي قد تؤدي إلى فقدان الحياة رغم الجهود الطبية المضنية. دعونا نتعمق في تفاصيل هذه القصة المؤلمة ونستعرض الجوانب الطبية للحروق.
- مأساة عائلة دوابشة: تفاصيل مؤلمة
- فهم درجات الحروق: من الأول إلى الرابع
- مضاعفات الحروق الخطيرة: تهديد للحياة
- رحلة العلاج وتحدياته
- خاتمة: تذكير بمأساة لا تُنسى
مأساة عائلة دوابشة: تفاصيل مؤلمة
في مساء السابع من سبتمبر عام 2015، أُعلن عن استشهاد الفلسطينية رهام دوابشة، التي فارقت الحياة متأثرة بجراحها البالغة. كانت رهام قد أصيبت بحروق خطيرة إثر إحراق منزل عائلتها في قرية دوما، قضاء نابلس، قبل نحو شهر من وفاتها. هذه الحروق، التي صنفت من الدرجة الثالثة، غطت 92% من جسدها، مما أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل حاد وتوقف عمل العديد من أعضاء جسمها، بالإضافة إلى هبوط شديد في ضغط الدم.
قبل هذا التاريخ المأساوي، أقدم مستوطنون على إضرام النار بمنزل عائلة دوابشة ليلاً، بينما كانت العائلة نياماً بداخله. على الفور، استشهد الرضيع علي دوابشة حرقاً، ونقل باقي أفراد الأسرة إلى المستشفى لتلقي العلاج من الحروق الخطيرة. بعد أسبوع واحد من الحادثة المروعة، فارق الأب سعد دوابشة الحياة، ليلحق به بعد فترة وجيزة الأم رهام، تاركين خلفهما الطفل أحمد البالغ من العمر أربع سنوات ونصف، والذي لا يزال يتلقى العلاج في المستشفى آملاً في الشفاء.
فهم درجات الحروق: من الأول إلى الرابع
تختلف الحروق في شدتها وعمقها، ويُعتمد تصنيفها على درجة خطورتها لتحديد خطة العلاج المناسبة. تتراوح درجات الحروق من الأولى، وهي الأقل خطراً، إلى الرابعة الأكثر تدميراً.
الحروق من الدرجة الأولى
تعتبر هذه الحروق الأقل خطراً، وتقتصر الإصابة فيها على الطبقة الخارجية من الجلد (البشرة). تتميز باحمرار وألم خفيف، ولا يُتوقع حدوث ضرر دائم منها. الشفاء عادة ما يكون سريعاً ولا يترك أي ندوب.
الحروق من الدرجة الثانية
في هذه المرحلة، تمتد الإصابة لتشمل طبقتين من الجلد: البشرة والأدمة. تظهر بثور مؤلمة على الجلد، وقد تسبب تورماً واحمراراً شديداً. في بعض الحالات، قد تترك هذه الحروق ندبة مزمنة على الجلد بعد الشفاء.
الحروق من الدرجة الثالثة (حالة رهام)
عند التعرض لحروق من الدرجة الثالثة، يتجاوز الضرر طبقات الجلد ليصل إلى الأنسجة الواقعة تحتها. قد تتضرر أطراف الأعصاب، مما قد يقلل من الإحساس بالألم في المنطقة المحروقة. رهام دوابشة، التي فارقت الحياة متأثرة بجراحها، كانت قد أصيبت بحروق من هذه الدرجة غطت 92% من جسدها، مما يوضح مدى خطورتها وتأثيرها المدمر على الأعضاء الحيوية.
الحروق من الدرجة الرابعة
تُعد هذه الحروق الأشد خطراً وتدميراً، حيث يصل الضرر إلى طبقات عميقة جداً، بما في ذلك العضلات، الأوتار، الأربطة، الأوعية الدموية، الأعصاب، وحتى العظام. غالباً ما تكون إصابة الأعصاب شديدة لدرجة أن المريض لا يشعر بأي ألم في المنطقة المتضررة، مما يشير إلى تدمير كامل للأنسجة.
مضاعفات الحروق الخطيرة: تهديد للحياة
تتجاوز خطورة الحروق المباشرة الألم والحرقان؛ فالمضاعفات اللاحقة قد تكون قاتلة وتسبب تحديات صحية كبيرة.
العدوى وتسمم الدم
تتمثل الوظيفة الأساسية للجلد في كونه حاجزاً وقائياً ضد العوامل الضارة. عند تعرض الجلد للحروق وتضرره، يصبح الجسم عرضة سهلة لدخول الملوثات، مما يسبب عدوى موضعية في مكان الحرق. في بعض الحالات، قد تتفاقم العدوى وتتسبب في تسمم الدم (الإنتان)، وهي حالة خطيرة تهدد حياة المصاب.
نقص حجم الدم والصدمة
تؤدي الحروق الشديدة إلى تسرب سوائل الدم خارج الجسم نتيجة لتضرر الأوعية الدموية. هذا التسرب يسبب انخفاضاً حاداً في حجم الدم، مما يقلل من كمية الدم التي يضخها القلب إلى باقي أعضاء الجسم. ينتج عن ذلك نقص في ضغط الدم وخلل شديد في وظائف الأعضاء، تماماً كما حدث مع رهام التي عانت من هبوط حاد في ضغط الدم.
انخفاض حرارة الجسم
يتأثر الجلد بقدرته على تنظيم درجة حرارة الجسم عند تعرضه للحروق. إذا لم يتمكن الجسم من تعويض الحرارة المفقودة، يمكن أن تنخفض درجة حرارته إلى مستويات خطيرة تهدد حياة المصاب.
مشاكل الجهاز التنفسي
استنشاق الهواء الساخن والدخان الناتج عن الحريق يمكن أن يسبب أضراراً بالغة في الجهاز التنفسي. قد تؤدي هذه الأضرار إلى مشاكل تنفسية خطيرة تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً.
الندوب والقيود الحركية
في بعض الحالات، تترك الحروق آثاراً دائمة على الجلد في شكل ندوب. هذه الندوب قد تكون مؤلمة أو قد تحد من القدرة على الحركة، خاصة إذا كانت تقع في مناطق المفاصل أو مساحات واسعة من الجسم.
رحلة العلاج وتحدياته
تعتمد خطة علاج الحروق بشكل أساسي على حدة الإصابة وخطورتها، ومدى انتشار الحروق في الجسم، وحجم المناطق المتضررة، بالإضافة إلى الوضع الصحي العام للمصاب وعمره. غالباً ما تُعالج حروق الدرجة الأولى والثانية في المنزل، شريطة ألا تكون منتشرة على مساحة واسعة من الجسم.
أما الحالات الحرجة، كحالة رهام التي امتدت الحروق إلى معظم مناطق جسدها، فتتطلب علاجاً مكثفاً تحت الإشراف الطبي الدقيق. حاول الأطباء جاهدين إنقاذ حياة رهام، وتم تخطيط العلاج بناءً على المضاعفات التي أصابتها، بما في ذلك محاولات زرع جلد بديل لتجنب التلوثات الخطيرة، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل.
للأسف، ازدادت مضاعفات إصابتها بالحروق بشكل كبير، مما أدى إلى تدهور حاد في حالتها الصحية. عانت من انخفاض شديد في ضغط الدم، تبعه توقف عمل بعض الأجهزة الحيوية في جسدها، ولم يتمكن الأطباء من السيطرة على حالتها أو إنقاذها، لترحل رهام متأثرة بتلك الجراح.
خاتمة: تذكير بمأساة لا تُنسى
تبقى قصة عائلة دوابشة، ومعها استشهاد رهام والدة الرضيع الفلسطيني علي دوابشة، محفورة في الذاكرة كرمز للمأساة الإنسانية والوحشية التي لا يمكن تبريرها. هذه القصة لا تسلط الضوء فقط على بشاعة الاعتداء، بل تعلمنا أيضاً عن التأثير المدمر للحروق الشديدة والمضاعفات المعقدة التي قد تؤدي إلى فقدان الحياة، حتى مع أقصى الجهود الطبية. إنها دعوة للتأمل في قيمة الحياة وأهمية الحفاظ على الإنسانية في وجه العنف.








