إسلاميات

قيمة التحلي بالصبر عند الابتلاء

مقدمة

يعتبر الصبر من الخصال الحميدة التي حث عليها الدين الإسلامي، فهو سلاح المؤمن في مواجهة تحديات الحياة ومصاعبها. يمثل الصبر قوة داخلية تمكن الفرد من الثبات والتحمل عند مواجهة الأزمات، ويعتبر مفتاحاً لنيل رضا الله والفوز بالجنة. وفي هذا المقال، سنتناول مفهوم الصبر وأهميته، وآدابه وأنواعه، وفضائله العظيمة.

أهمية الصبر في بداية الأزمة

للصبر منزلة عظيمة في الإسلام، وخاصةً عند وقوع المصيبة في اللحظات الأولى. فالصبر الحقيقي يظهر جلياً في بداية الابتلاء، وهو دليل على قوة الإيمان واليقين بالله. الصبر في اللحظات الأولى يعكس قدرة الإنسان على التحكم في انفعالاته والتسليم بقضاء الله وقدره.

يُقصد بالصبر في بداية المصيبة، الثبات والتحمل في اللحظات الأولى من وقوعها، وهو أشد أنواع الصبر وأعظمها أجراً. ففي تلك اللحظات، يكون الإنسان في حالة صدمة وتأثر شديد، وإذا تمكن من التحلي بالصبر والرضا، فإنه يستحق الثواب الجزيل من الله تعالى. لا يعني هذا عدم الحزن أو البكاء، فالإنسان بطبيعته يميل إلى إظهار مشاعره، ولكن المهم هو عدم الجزع أو الاعتراض على قدر الله. وقد قال نبي الله-صلى الله عليه وسلم-:(تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ).

الصبر لغةً يعني: “التجلد وعدم الجزع، والانتظار في هدوء واطمئنان، ويقال صبر على الأمر؛ احتمله ولم يجزع، وحبس نفسه عنه”. أما اصطلاحاً فهو: “حبس النفس على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة”.

لقد بشر الله تعالى عباده الصابرين عند المصائب بأجر عظيم، فقال تعالى:(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، ثم بين جزاءهم بقوله:(أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). وقد قال عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-: “نِعْمَ الْعِدْلانِ، وَنِعْمَت الْعِلاوَةُ”، والمراد بالعدْلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء، مما يدل على عظم الأجر الذي ينتظر الصابرين.

يعود عظم الأجر في بداية المصيبة إلى ما قد يصدر من الإنسان من تصرفات تدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره، لذلك فإن الصبر في هذه اللحظات يكون له قيمة أكبر وأثر أعظم. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى). وقد ورد الحديث عن امرأة كانت تنوح على صبيٍّ لها، فمرّ بها رسول لله -صلى الله عليه وسلم- فقال:(اتَّقِى اللهَ وَاصْبِرِى، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِى بِمُصِيبَتِى. فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَخَذَهَا مِثْلُ المَوْتِ. فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ).

أخلاقيات الصبر

لكي يكون الصبر كاملاً ومقبولاً عند الله، يجب على المسلم أن يتحلى ببعض الآداب، منها:

  • الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره: فالمصائب والابتلاءات هي جزء من اختبار الله للإنسان، ويجب عليه أن يرضى بما كتبه الله عليه. قال تعالى:(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ).
  • الاستعانة بالله والتوكل عليه: وذلك بطلب العون منه والثقة به، فكلما كانت ثقة الإنسان بربه كبيرة، خف بلاؤه وازداد صبره. قال تعالى:(مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّـهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ).
  • حسن الظن بالله: وذلك بالاعتقاد بأن الحكمة فيما اختاره الله، وأن الله يختبر عباده ليرى صبرهم وإيمانهم. قال الله -تعالى- في الحديث القدسي:(أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي).
  • الإخلاص لله: وذلك بالنية الصادقة في أن يكون الصبر خالصاً لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاته. قال تعالى:(وَالَّذينَ صَبَرُوا ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّهِم وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقوا مِمّا رَزَقناهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدرَءونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولـئِكَ لَهُم عُقبَى الدّارِ).
  • عدم تمني الموت: فالنهي عن تمني الموت يدل على أهمية الثقة بالله والرضا بقضائه وقدره. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ مِن ضُرٍّ أصابَهُ، فإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي).
  • سكون الجوارح واللسان: وذلك بالابتعاد عن كل ما يغضب الله، كالنواح والصراخ والسخط.
  • عدم كثرة الشكوى: فالشكوى لغير الله غالباً ما تضر بالإنسان بدل أن تنفعه.

أقسام الصبر

ينقسم الصبر إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

الصبر على التزام أوامر الله

يتعلق هذا النوع بأداء العبادات والطاعات التي فرضها الله تعالى. فالإنسان مجبول على حب الراحة والشهوات، والعبادات تحتاج إلى همة وإرادة قوية. ومن الأمثلة على ذلك قصة إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام-، حيث رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه، فبادر لتطبيق ذلك امتثالاً لأمر الله، ولكن الله فداه بكبش من الجنة.

الصبر عن اقتراف المحرمات

يكون هذا الصبر بالابتعاد عن المحرمات وما نهى الله عنه، ومجاهدة النفس وكبحها عن الوقوع فيما يغضب الله. وقد أورد الله في كتابه العزيز آيات عن عاقبة الصبر عن المعاصي، فقال:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى). ومن الأمثلة على ذلك امتناع صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شرب الخمر حين نزل قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ).

الصبر على الابتلاءات والمصاعب

يكون هذا الصبر بالرضا بأقدار الله وعدم السخط عليها. ومن المصائب: موت عزيز، أو المرض، أو الخسارة. وتطبيق الصبر في هذه المحن يورث رضا الله والثواب الكبير. ولا بد أن يتذكر الإنسان أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(قلتُ يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً قالَ الأَنبياءُ ثمَّ الأَمثلُ فالأَمثلُ؛ يُبتلَى الرَّجلُ علَى حسَبِ دينِهِ، فإن كانَ في دينِهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتليَ علَى قدرِ دينِهِ، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي علَى الأرضِ وما علَيهِ خطيئةٌ).

محاسن الصبر

للصبر فضائل جمة، منها:

  • صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: قال تعالى:(إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
  • معية الله للصابرين: قال تعالى:(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ).
  • محبة الله للصابرين: قال تعالى:(وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ). وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن حب الله لعباده فقال:(إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى إذَا أحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إنَّ اللَّهَ قدْ أحَبَّ فُلَانًا فأحِبَّهُ، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ في السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ قدْ أحَبَّ فُلَانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ويُوضَعُ له القَبُولُ في أهْلِ الأرْضِ).
  • الصبر سبب لدخول الجنة: قال تعالى:(أُولَـئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا).
  • الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب: قال تعالى:(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ).
  • جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ: قال تعالى:(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).
  • الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون: قال تعالى:(ما عِندَكُم يَنفَدُ وَما عِندَ اللَّـهِ باقٍ وَلَنَجزِيَنَّ الَّذينَ صَبَروا أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ).

وقد ورد في القرآن الكريم فضائل كثيرة للصبر منها:

  • اقتران الصبر بالأعمال الصالحة في القرآن:ورد في القرآن الكريم تسعون موضعاً مختلفاً تحدّث به الله -سبحانه- عن الصبر، ويستأنس المسلم عندما ينظر إلى القرآن الكريم فيجد أن الصبر قد اقترن معالصلاة، والجهاد، والأعمال الصالحة عموماً، واليقين بالله، والصدق، والحق، والتقوى، والتوكّل،والشّكر، فيُوقن أنه من الخصال التي لا بدّ أن يتحلّى بها لكي يظفر بالأجر العظيم.
  • ضمن الله سبحانه النصر والمدد للصابرين وحفظهم من الشرور والأشرار: فقد قال -تعالى-:(بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ).كما أن الله يؤيّد عباده الصابرين بإبعاد الأذى والضرّ عهم، قال -تعالى-:(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
  • مدْح الله سبحانه لعباده الصابرين: فمن الفطرة أنّ الإنسان مجبولٌ على حبّ تلقّي الثناء من الغير، فكيف إذا علم أن الله -سبحانه- يثني على الصابرين من عباده؟! قال -تعالى-:(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
  • الصبر من عزم الأمور: جعل الله سبحانه الصبر من عزم الأمور لأنه من أعظم العبادات وأشدّها، قال -تعالى-:(وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
  • الإمامة في الدين موروثة عن الصبرواليقين: وهي مكانةٌ عظيمةٌ في الدين وشرفٌ لكل من يحظى بها، قال -تعالى-:(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
بقلم
Mary Ramirez

Independent writer focused on literature. 5 years of reporting from the field.