أثار فيلم “لوسي Lucy” جدلاً واسعًا عند عرضه، ليس فقط بفضل أداء النجمة سكارليت جوهانسون ومشاركة الممثل عمرو واكد، بل لتركيزه على فكرة مثيرة: ماذا لو تمكنا من استخدام 100% من قدرات دماغنا؟ تدور أحداث الفيلم حول امرأة تكتسب قوى خارقة بعد استخدام دماغها بكامل طاقته، وذلك على عكس الاعتقاد الشائع بأن البشر لا يستخدمون سوى 10% فقط من أدمغتهم. فهل هذه الفكرة المثيرة مجرد خيال سينمائي، أم أنها تستند إلى حقيقة علمية؟ دعونا نغوص في أعماق الدماغ البشري لكشف الحقيقة.
- فيلم لوسي ومغزاه العلمي
- ما هو الدماغ البشري؟
- أسطورة 10% من الدماغ: حقيقة أم خيال؟
- الخلاصة: قوة دماغك كاملة
فيلم لوسي ومغزاه العلمي
يتناول فيلم “لوسي Lucy”، الذي يجمع بين الإثارة والتشويق، قصة مثيرة تبدأ عندما تجبر عصابة لوسي على تهريب مادة مخدرة جديدة داخل جسدها. بسبب حادث غير متوقع، تتسرب هذه المادة إلى دمها، مما يمنحها قدرات عقلية وجسدية فائقة. تتحول لوسي إلى كائن خارق، قادر على التحكم في الأشياء عن بعد، واكتساب المعرفة بشكل فوري، والشعور بالكون من حولها بشكل غير مسبوق.
تدور الفكرة المحورية للفيلم حول استخدام لوسي 100% من طاقتها الدماغية، في حين يُشار إلى أن البشر العاديين لا يستخدمون سوى جزء صغير، حوالي 10%، من أدمغتهم. هذا الطرح السينمائي أثار نقاشًا واسعًا حول مدى صحة هذه الأسطورة الشائعة، ودفع الكثيرين للتساؤل عن الإمكانات الحقيقية للعقل البشري.
ما هو الدماغ البشري؟
يعد الدماغ البشري هو مركز التحكم في أجسامنا، وهو كتلة معقدة بشكل لا يصدق من الأنسجة العصبية التي تزن حوالي 2% من إجمالي وزن الجسم. ومع ذلك، على الرغم من حجمه الصغير نسبيًا، يستهلك الدماغ ما يقارب 20% من الأكسجين والطاقة التي نتنفسها ونستهلكها يوميًا، مما يؤكد مدى نشاطه المستمر.
يحتوي دماغنا على مليارات الخلايا العصبية (النيورونات) التي تعمل في شبكات معقدة، وتتولى كل منها وظيفة محددة. هذه الخلايا مسؤولة عن كل ما نقوم به: التفكير، التذكر، الشعور بالعواطف، السلوك، الحركة، والإحساس. يرتبط الدماغ ببقية أعضاء الجسم عبر نظام دقيق ومعقد من المسارات العصبية، مما يتيح له التواصل مع مختلف الأجزاء في أجزاء من الثانية.
أسطورة 10% من الدماغ: حقيقة أم خيال؟
لطالما ترسخت في أذهان الكثيرين فكرة أننا نستخدم 10% فقط من دماغنا، وأن 90% الباقية من قدرات الدماغ غير مستخدمة أو خامدة. لكن الحقيقة العلمية مختلفة تمامًا. لقد أثبتت الأبحاث والدراسات الحديثة في علم الأعصاب بشكل قاطع أن هذه الفكرة ما هي إلا مجرد أسطورة قديمة ولا تستند إلى أي دليل علمي حقيقي.
كيف يعمل دماغنا حقًا؟
خلافًا للاعتقاد السائد، فإن كل جزء من دماغنا يتم استخدامه بشكل أو بآخر. لا توجد مناطق “خامدة” أو “غير مستخدمة” في الدماغ. في الواقع، تعمل جميع أجزاء الدماغ في جميع الأوقات، ولكن نسبة نشاط مناطق معينة تختلف بناءً على المهمة التي يؤديها الشخص.
على سبيل المثال، عندما تجلس لتناول الطعام، تعمل الأجزاء المسؤولة عن حركة اليدين والفم، وعن المضغ والهضم بشكل مكثف. في المقابل، قد تكون الأجزاء المسؤولة عن حركة القدمين أقل نشاطًا في تلك اللحظة، لكنها لا تتوقف عن العمل تمامًا. كذلك، عندما تحضر فنجان قهوة، تتحرك نحو المطبخ، تمسك بالإبريق، تشم رائحة القهوة وتتذوقها. كل هذه الأفعال تنشط خلايا دماغية معينة أكثر من غيرها لإتمام المهمة، بينما تستمر بقية الخلايا في وظائفها الأساسية الأخرى.
الدماغ مقسم إلى مناطق متخصصة تقوم بوظائف مختلفة، مثل مناطق مخصصة للحواس الخمس، وأخرى تتحكم في الحركة، وثالثة تتعامل مع الذاكرة واللغة. تتفاعل هذه المناطق باستمرار لتمكيننا من أداء مهامنا اليومية المعقدة، مما يؤكد أن الدماغ يعمل كوحدة متكاملة ومتفاعلة.
من أين جاءت أسطورة الـ 10%؟
لا يمكن تحديد المصدر الدقيق لانتشار هذه الأسطورة بشكل قطعي حتى اليوم. ومع ذلك، يُرجح أن تكون قد نشأت من عدة عوامل. قد يكون أحد التفسيرات هو أن حوالي 10% من خلايا دماغنا هي خلايا عصبية (نيورونات)، بينما الباقي يتكون من خلايا دبقية، وهي خلايا داعمة تلعب أدوارًا حيوية في الحفاظ على بيئة الدماغ الكيميائية وتنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية.
تفسير آخر محتمل هو سوء فهم أو تبسيط لنتائج الأبحاث العلمية المبكرة حول وظائف الدماغ، مما أدى إلى اعتقاد خاطئ بأن جزءًا كبيرًا منه يظل غير مستخدم. هذه الأسطورة قد تكون قد غذّت أيضًا من قبل بعض المتحدثين التحفيزيين الذين كانوا يشجعون الناس على “إطلاق العنان لقدراتهم الكامنة”.
ماذا لو كانت الأسطورة حقيقية؟
إذا كانت أسطورة الـ 10% صحيحة، فمن المنطقي أن نكون قادرين على إزالة الـ 90% المتبقية من الدماغ ومواصلة حياتنا بشكل طبيعي تمامًا. لكن هذا الأمر مستحيل تمامًا في الواقع. نعرف أن حتى التلف البسيط جدًا في منطقة صغيرة من الدماغ يمكن أن يسبب عواقب وخيمة، مثل فقدان الذاكرة، أو مشاكل في النطق، أو الشلل.
هذا يثبت أن كل جزء من الدماغ له دور حيوي في الحفاظ على وظائفنا الحيوية والمعرفية. فكرة أن 90% من دماغنا “مهمل” هي مجرد خيال سينمائي، بعيدة كل البعد عن الحقائق العلمية.
الخلاصة: قوة دماغك كاملة
في الختام، على الرغم من جاذبية فكرة امتلاك قوى دماغية خارقة كما في فيلم “لوسي Lucy”، إلا أن الحقيقة العلمية تؤكد أن أسطورة استخدام 10% فقط من الدماغ هي مجرد خرافة شائعة. دماغك يعمل بكامل طاقته طوال الوقت، وإن كانت درجات النشاط تتفاوت بين مناطقه المختلفة حسب الحاجة.
احتفل بقدرات دماغك المذهلة التي تمكنك من التفكير، التعلم، الإبداع، والشعور بكل لحظة في حياتك. كل جزء منه حيوي وضروري لوجودك ووظائفك اليومية، مما يجعله أحد أكثر الأعضاء تعقيدًا وإثارة للدهشة في جسم الإنسان.








