تفسير الآية الكريمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لقد أنزل الله -سبحانه وتعالى- هذا الدين كاملاً شاملاً، ومن ضمن التشريعات التي جاء بها، والتي تُعد جزءاً من هذا الكمال، هو “حكم الرق”. وقد وردت آيات قرآنية تتحدث عن هذا الأمر، منها قوله -تعالى-: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ). هذه العبارة هي جزء من الآية الثالثة من سورة النساء. و”ملك اليمين” يعني المملوك، والمراد هنا الإماء، وهي المرأة الرقيقة خلاف الحرة.
نظرة الإسلام إلى الرق
الإسلام هو دين عالمي ذو تشريع كامل ومتكامل، يتفاعل مع المتغيرات السياسية والأحداث المحيطة. وكما أن أحكامه منضبطة، فإن عقوباته رادعة، تحقق الزجر في الدنيا والآخرة. ومن بين هذه التشريعات، نظام الرق.
لم يحرم الإسلام الرق بشكل مطلق، ولكنه وضع له ضوابط دقيقة ومحددة. جعل الإسلام الرق أحد الخيارات المتاحة في ظروف معينة، مع التأكيد على أنه يمكن للإمام ألا يختار الاسترقاق إذا رأى في ذلك مصلحة للمسلمين. لقد أعاد الإسلام تنظيم الحقوق والواجبات المتعلقة بالرقيق، وغير المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالرق وملك اليمين.
تقليل مصادر الرق
في العصور التي سبقت الإسلام، كانت أسباب الرق تعتمد على الأهواء الشخصية والقوة الغاشمة، واستغلال لحظات الضعف والسرقة والاعتداء. ولكن مع الإسلام، أصبحت أسباب الرق مقيدة ومنظمة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.
تضييق أسباب الرق
لقد أغلق الإسلام العديد من الطرق التي تؤدي إلى الرق، وجعل له طريقاً واحداً وضيقاً.
يقول ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: “أن سَبَبَ الِاسْتِرْقَاقِ هُوَ الْكُفْرُ بِشَرْطِ الْحَرْبِ ويكون إذا وقع في الأسر”.
بالإضافة إلى ذلك، حرص الإسلام على رفع مكانة الرقيق. وقد وردت العديد من الأحاديث النبوية التي تؤكد هذا المعنى، منها:
عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فمَن كانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ ممَّا يَأْكُلُ، ولْيُلْبِسْهُ ممَّا يَلْبَسُ، ولَا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ، فإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فأعِينُوهُمْ).
وكانت آخر وصاياه- صلى الله عليه وسلم- قبل التحاقه بالرفيق الأعلى:
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه- قال: (كان آخِرُ كلامِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، اتَّقوا الله فيما ملكت أيمانُكم).
بعد أن كانت مسألة ملك اليمين غير مقيدة بضوابط، جاء التوجيه النبوي لتنظيمها. فعن رُويفع بن ثابت قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ولا يحل لامرئ يؤمن بًالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها)، وجعل لها مهراً إذا تزوجت.
توسيع سبل العتق
في مقابل تضييق مصادر الرق، فتح الإسلام العديد من الطرق التي تؤدي إلى العتق، وربط بها بعض الأحكام الشرعية، ومنها:
- الحث على العتق على سبيل التطوع والتبرع. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن أعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أعْتَقَ اللَّهُ بكُلِّ عُضْوٍ منه عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حتَّى فَرْجَهُ بفَرْجِهِ).
- العتق عن طريق الكفارة، مثل كفارة القتل الخطأ والظهار والحنث باليمين.
- العتق عن طريق الزكاة، حيث جعلت من مصارف الزكاة “في الرقاب”، لقوله -تعالى-: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَساكينِ وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفِي الرِّقابِ).
المراجع
- سورة النساء، آية:3
- سلطان العميري (2013)،فضاءات الحرية(الطبعة 2)، القاهرة:المركز العربي للدراسات الإنسانية، صفحة 197. بتصرّف.
- عبد الله علوان،نظام الرق في الإسلام، صفحة 17. بتصرّف.
- أحمد ابن تيمية،الفتاوى الكبرى، صفحة 114. بتصرّف.
- رواه محمد البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم:30، صحيح.
- رواه سليمان السجستاني، في سنن أبي داوود، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم:5156، رواه أبو داوود وهو عنده صالح وصححه الألباني.
- رواه سليمان السجستاني، في سنن أبي داوود، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، الصفحة أو الرقم:2158، حسنه الألباني.
- سلطان العميري (2013)،فضاءات الحرية(الطبعة 2)، القاهرة:المركز العربي للدراسات الإنسانية، صفحة 177-180. بتصرّف.
- رواه محمد البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:6715، صحيح.
- سورة التوبة، آية:60








