إسلاميات

غزوة بدر: انتصار الإسلام وبداية سيطرة المسلمين

جدول المحتويات

أسباب غزوة بدر

تُعدّ غزوة بدر من أهمّ المعارك في تاريخ الإسلام، حيثُ انتصر فيها المسلمون على قريش، فكانت بدايةً للسيطرة الإسلامية، وفرقانًا بين الحقّ والباطل.

كان المسلمون في المدينة المنوّرة يُواجهون خطرًا مُحدقًا من قريش، وبعض القبائل الأخرى. وفرضت هذه المخاطر وجود ضرورة ملحّة للدفاع عن أنفسهم وحماية ممتلكاتهم، فلم يُؤذَن لرسول الله بالقتال إلّا بعد صبرٍ طويل على أذى قريش من سخرية، وافتراء، وتآمر على قتله.

وقد كان لهذه الغزوة العديد من الأسباب:

  • إعلاء الحقّ الذي جاء به رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ودَحر الباطل الذي تتمسّك به قريش، وتُدافع عنه.
  • القضاء على الخطر المُحدِق بتجارة المسلمين، وحياتهم، والمتمثّل بمرور قوافل قريش المُتّجِهة إلى الشام بالقُرب من المدينة.
  • الغضب الذي استولى على مُشركي قريش بخروج النبيّ مع سريّته المُتّجِهة إلى منطقة نخلة التي تقع بين مكّة والطائف.
  • رغبة المسلمين في استعادة الممتلكات المسلوبة منهم، وإضعاف القوّة الاقتصاديّة لقريش.

إعداد النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لجيش المسلمين

قبل خروج النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى بدر، أعدّ نفسه وأصحابه نفسياً وتربوياً للجهاد، موضحًا لهم أنّ قتالهم سيكون في سبيل الله وحده، لضمان بقاء روح الجهاد قويةً في نفوسهم.

وتمثّلت خطوات تحضير النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لجيشه في:

  • تحديد الهدف من الخروج للقتال، واختيار مهاجمة قوافل قريش المتّجِهة إلى الشام كونها تُمرّ بالقرب من المدينة ، وذلك لضمان العودة السريعة للجيش إليها في حال الحاجة.
  • عقد مجلس شورى مع صحابته الكرام لاستشارتهم في الخروج لِاعتراض عير أبي سفيان ، فوافقوا وَأُكدوا على مُوافقة ، وَأُجِبوا بِكلام رائع يُبَيّن شجاعتهم وَتَعاطفهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- .
  • توزيع المهامّ على أصحابه ، فاستخلف ابن أم مكتوم على المدينة ، وَأَرسل عيونًا لِاستطلاع الأخبار ، وَأُعطي اللواء لمصعب بن عمير ، وَقسّم جيشه إلى كتيبتَين: مهاجرين وَأَنصار ، وَقسّم المهام على القيادات المختلفة.

تحرُّك جيش المسلمين

بدأ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بالمسير مع جيشه على الطريق الرئيسيّ المُؤدّي إلى مكّة المُكرّمة، ثمّ انحرف إلى اليمين باتِّجاه منطقة النازية، قاصداً مياه بدر.

وصلت الأخبار إلى أبي سفيان بأنّ رسول الله خرج مع أصحابه؛ للإيقاع بالقافلة، فبعث ضمضم بن عمرو إلى مكة يستصرخ أهلها؛ لحماية القافلة.

إلّا أنّ أبا سفيان لم ينتظر وصول المَدد من أهل مكة، بل بذل أقصى ما لديه من دهاء وحنكة؛ للهروب من جيش الرسول -عليه السلام-، ونجت القافلة.

تحضير مشركي قريش للغزوة

سمع أهل مكّة بما جاء به رسول أبي سفيان ضمضم، وسرعان ما تجهّزوا، وخرجوا إليه في ما يُقارب الأَلْف مقاتل.

وعلى الرغم من أنّ أبا سفيان أرسل إليهم خبر نجاة القافلة، وأخبرهم بالرجوع، إلّا أنّ أبا جهل رفض الرجوع، وعزم على المسير بالجيش إلى أن يصل بدراً.

التطوُّر المُفاجئ في مجريات الأحداث

علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخبر تغيير القافلة مسارَها، وأنّ جيش مكّة خرج وواصل مسيره بالرغم من نجاة قافلتهم، ورأى أنّ الرجوع يَدعم المكانة العسكريّة لقريش في المنطقة، ويُضعِف كلمة المسلمين، فسارع إلى عقد مجلس عسكريّ طارئ مع أصحابه.

وقد بيّن لهم خطورة المَوقف، مُؤكدًا على أنّهم مُقدِمون على أمر لم يستعدّوا له كامل الاستعداد؛ حيث كانوا قد خرجوا لأمر بسيط، ولكنّهم وُضِعوا في موقفٍ صعب.

وَأُكد النبيّ لِجيشه بقوله :”(سيروا على بركةِ اللهِ وأبشروا، فإنَّ اللهَ قد وعدني إحدَى الطَّائفتين، واللهِ لكأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القومِ)..”

خُطّة المسلمين في الغزوة

أراد رسول الله أن يصل أوّلاً إلى مياه بدر؛ ليمنعَ المشركين من الاستيلاء عليها، وبعد أن اقترب من أدنى ماء من بدر، نزل بها.

وقد نَصَح الحبّاب بن منذر النبيّ بِنَزول الجيش بأدنى ماء من المشركين وَالبناء على ذلك حوض يُملأ بِالماء لِيشرب المسلمون منه دون المشركين ، وَأَخذ النبيّ بِمشورته.

وتَحسُّباً لِلطوارئ اقترح سعد بن معاذ بناء مَقر لِلقِيادة ، بهدف الحِفاظ على حياة النبيّ ، فَتَمّ بناؤه على تَل مُرتفع يُطِلّ على ساحة المعركة، وَتَكفّل سعد بن معاذ مع شباب من الأنصار بِحمايته .

نزول المطر: هبة إلهية

بات المسلمون ليلهم وَامتلأت قلوبهم بِالثقة وَالاستبشار بِعطاء الله ، وكان النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- مُتفَقِّداً لِأصحابه ، وَ مُنظِّماً لِصفوفهم ، وَ مُذكِّراً لهم بِالله وَاليوم الآخر ، وَ مُتضرِّعاً لله -جلّ جلاله- .

فأنزل الله تلك الليلة مطراً خفيفاً يُثبِّت به القلوب، ويُطهّرها من وساوس الشيطان، ويُثبّت به الأقدام، وقد قال الله تعالى:(إِذ يُغَشّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذهِبَ عَنكُم رِجزَ الشَّيطانِ وَلِيَربِطَ عَلى قُلوبِكُم وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقدامَ).[١٤][١٥]

التقاء الجيشان

كان اليوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة هو اليوم الذي التقى فيه الجيشان.

بدأ المشركون بالهجوم عن طريق الأسود بن عبدالأسد الذي حلف أن يشرب من حوض المسلمين، فإن لم يتمكّن من ذلك هَدَمه، فتصدّى له حمزة بن عبد المطلب حتى قتله، واشتعلت نار المعركة.

وخرج ثلاثة من أفضل فرسان قريش، وهم: عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة.

فخرج لهم ثلاثة من الأنصار، إلّا أنّ فرسان قريش طلبوا من رسول الله فُرساناً من بني عمّهم لمُبارزتهم، فأخرج لهم رسول الله عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبدالمُطّلب، وعليّاً بن أبي طالب، فبدأ النزال، وسرعان ما انهزم فرسان قريش.

ذروة القتال: شجاعةٌ وإصرار

بلغ الغضب أَوجَه لدى المشركين لهذه البداية المُحبِطة، فهجموا هجمة رجل واحد على المسلمين.

قاتل المسلمون بِشجاعة وَإصرار ، وَأَمَرَ النبيّ بِترتيب المقاتلين صفوفًا ، فَجعل الصفوف الأمامية تُقاتل بِالرماح ، أمّا بقيّة الصفوف فَكانت تُرمي العدوّ بِالنِّبال ، وَكَانَ النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- يُحفّزهم بِقوله :(قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ).

نزول الملائكة: مدد إلهيّ حاسم

تابع المسلمون قتالهم بِحماس ، وَواصل النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- التّضرع لله وَالدعاء لِلمسلمين ، فكان يُحفّزهم بِقوله :(قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ)،[١٩][٢٠] وَواصل التّضرع لله وَالدعاء لِلمسلمين حتى أوحى الله إليه :(إِذ تَستَغيثونَ رَبَّكُم فَاستَجابَ لَكُم أَنّي مُمِدُّكُم بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُردِفينَ)[٢١]، وَأَمَرَ الله ملائكته بِقوله :(أَنّي مَعَكُم فَثَبِّتُوا الَّذينَ آمَنوا سَأُلقي في قُلوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ فَاضرِبوا فَوقَ الأَعناقِ وَاضرِبوا مِنهُم كُلَّ بَنانٍ).[٢٢][٢٣]

فكان المَدد من الله أعداداً من الملائكة، وليس مَلَكاً واحداً على الرغم من كفايته؛ وذلك بشارة للمسلمين، وقد قال -تعالى-:(وَما جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلّا بُشرى وَلِتَطمَئِنَّ بِهِ قُلوبُكُم).

نتائج غزوة بدر: انتصارٌ تاريخيّ

انتهت غزوة بدر بالنصر المُؤزَّر للمسلمين، والهزيمة الساحقة للمشركين، وقد سمّى الله يوم بدر بيوم الفرقان، وذلك في قوله:(يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمعانِ)؛[٣٤]لأنّه فرّق فيه بين الحقّ واالباطل.

وكان لِغزوة بدر أثر كبير على مَسار التاريخ الإسلامي ، فَكانت نقطة تحوّل هامّة ، وَأَثبتت لِلعالم قُدرة المسلمين على الفوز بالنصر ، وَأَرسَت أساس دولة إسلاميّة قوية ، وَأَدخَلت الخوف في قلوب أعداء الإسلام .

الغنائم: إرث غزوة بدر

أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- في بدر ثلاثة أيام بعد انتهاء المعركة ؛ لِدفن الشهداء ، وَالقضاء على أيّة محاولة يُمكن أن تُصدر عن المُنهَزِمين ، وَلِيأخذ الجيش مقداراً كافياً من الراحة ، إلى جانب جمع الغنائم.

وقد نزل قوله -تعالى- :(يَسأَلونَكَ عَنِ الأَنفالِ قُلِ الأَنفالُ لِلَّـهِ وَالرَّسولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصلِحوا ذاتَ بَينِكُم وَأَطيعُوا اللَّـهَ وَرَسولَهُ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ)،[٣٧] ثمّ أنزل -تعالى- كيفيّة تقسيمها في قوله :(وَاعلَموا أَنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللَّـهِ)،[٣٨] فقسّمها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على المسلمين بِالتساوي بعد أخذ خُمسها.

الأسرى: رحمة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-

تحرّك رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- بِجيشه نحو المدينة وَمعه الأسرى من المشركين ، وَقد بلغ عددهم سبعين رجلاً ، قُتِل منهم اثنان مّمن عُرِفوا بأذيّتهم الشديدة لِلمسلمين ، وَهُما: النضر بن الحارث الذي كان حاملاً لِلوَاء المشركين في المعركة ، وَعقبة بن أبي معيط الذي حاول من قَبل خَنق رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بِردائه .

وَعندما وصل رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- إلى المدينة ، استشار أصحابه في قضيّة الأسرى ، فَرأى أبو بكر -رضي الله عنه- أخذ الفدية منهم ، وَرأى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الحزم وَقَتلهم ؛ لِأنّ إيذاءهم كان شديداً لِلمسلمين ، وَأَخذ رسول الله بِمشورة أبي بكر بِأخذ الفدية منهم .

أمّا كيفية الفداء فكانت بأخذ ألف إلى أربعة آلاف درهم عن الأسير، فإن لم يجد ما يفدي به نفسه، علّم الكتابة لعشرةٍ من مُسلِمي المدينة، وقد مَنّ رسول الله على عدد من الأسرى بإطلاق سراحهم دون الفداء، منهم: المطلب بن حنطب، وأبو العاص زوج ابنته زينب، والذي اشترط عليه تركها مقابل ذلك.

شهداء المسلمين: سيرة جهاد ووفاء

كان عدد المسلمين الذين استُشهِدوا في المعركة أربعة عشر رجلاً ؛ ستّة من المهاجرين ، وَثمانية من الأنصار ، أمّا قتلى المشركين فَقد بلغ عددهم سبعين رجلاً مُعظمهم من قادة قريش ، وَكان أبو جهل واحداً منهم ، فَقتله شابّان من الأنصار ، هُما: معاذ بن عفراء ، وَمعاذ بن عمرو بن الجموح ، إذ أصرّا على قتله ؛ لِأنّهما سَمعا أنّه كان يَسبّ رسول الله -عليه الصلاة وَالسّلام- .

وَكان ممّن قُتِل من قادة قريش أيضاً أميّة بن خلف الذي قتله بلال بن رباح ؛ لِما عاناه من أشدّ أنواع العذاب ، وَأقساه في مكّة على يديه ، وقد بيّنت نصوص القرآن الكريم وَالسّنة النبوية فضل الصحابّة الذين شهدوا غزوة بدر ، حيث قال الله سبحانه :(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ)،[٤٥] كَما روى البخاري في صحيحه الحديث الذي يُخاطب فيه جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلّم :(ما تعُدُّون أهلَ بدرٍ فيكم؟ قال: من أفضلِ المسلمين، أو كلمةً نحوَها، قال: وكذلك من شَهِد بدرًا من الملائكةِ).[٤٦][٤٧]

دروسٌ وعِبرٌ من غزوة بدر: أثرٌ خالد

يُعدّ انتصار المسلمين في غزوة بدر من أهمّ الانتصارات في تاريخ الإسلام ، وَله دروس وعِبر لا تُنسى ، فَتُعدّ الروح المعنويّة العالية لِجيش المسلمين ، وَسُموّ الغاية من القتال ، وَأهمّ الأسباب التي لها الأثر البالغ في تحقيق النصر ، وَأَثبتت غزوة بدر أنّ العدد وَالعُدّة وَحدَهما لا يُمكنهما ضمان ذلك .

وَمن دروس غزوة بدر أيضاً:

  • يجب على القائد عدم إجبار جيشه على خوض المعارك، بل محاورتهم، والاستماع إليهم.
  • يجب على القائد أن يتقبّل حرص جنوده على حياته؛ فبقاء القائد حيّاً يَدعَم نجاح المعركة.
  • يُؤيّد الله عباده المؤمنين في معاركهم بجُند من عنده، كالملائكة، والمطر.
  • يحرص الداعية المسلم على هداية أعدائه، ويُفسح لهم المجال بذلك، وهذا ما رجاه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بقبول الفدية من الأسرى.

يتلخّص مما سبق أنّ رفع عزائم الجيش ومعنوياته، ومشاورتهم في أمور المعركة، والأخذ بالأسباب وإعداد العدّة، والتوكل على الله -سبحانه؛ كلّ ذلك من أعظم أسباب نصر المسلمين.

معلومات متفرّقة عن غزوة بدر

تُسمّى غزوة بدر بغزوة الفرقان، وغزوة بدر الكبرى، وَسُمِّيَت الغزوة بِذلك نسبة إلى المكان الذي حصلت فيه ؛ وَبدر بئر مشهورة تقع بين مكّة وَالمدينة ، وَعدد المسلمين فيها كان 314 تقريباً ، أمّا المشركين 1000 تقريباً ، وَكان الصحابي حارثة بن سراقة أول من استشهد في المعركة ، أمّا صاحب لواء المعركة هو مصعب بن عمير -رضي الله عنه- .

بقلم
مريم الهاشمي

كاتب مستقل يهتم بقضايا الثقافة. 10 عاماً من التقارير الميدانية.