فهرس المحتويات
مقدمة
تعتبر دراسة طبيعة الإنسان من أهم القضايا التي تناولها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فالإنسان، بطبيعته، يحمل في داخله جوانب ضعف وقوة، خير وشر. ومن خلال فهم هذه الطبيعة، يمكننا العمل على تهذيب النفس والارتقاء بها نحو الأفضل. يهدف هذا المقال إلى استكشاف إحدى هذه الصفات، وهي صفة “الهلع”، وكيف يمكن للإنسان أن يتجاوزها من خلال الإيمان والعمل الصالح.
تفسير صفة الهلع في القرآن
يصف القرآن الكريم طبيعة الإنسان في بعض الحالات بصفة “الهلع”، وهي صفة تعبر عن الجزع الشديد عند وقوع المصائب والبخل الشديد عند حصول النعم. وقد ورد ذكر هذه الصفة في سورة المعارج، حيث يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) سورة المعارج
تشير هذه الآيات إلى أن الإنسان، في حالته الطبيعية، يميل إلى الجزع الشديد عند المصائب والبخل عند النعم. فإذا تعرض لضرر أو مصيبة، فإنه يفقد صبره ويجزع. وإذا أنعم الله عليه بالخير، فإنه يمسك به ويبخل به على الآخرين. وهذا نابع من حب الذات المفرط والخوف من فقدان ما يملك. ولكن، يستثني الله تعالى من هذه الصفة المصلين الذين يداومون على صلاتهم ويؤتون الزكاة ويؤمنون باليوم الآخر.
أحاديث نبوية حول الشح والجبن
تؤكد السنة النبوية الشريفة على خطورة صفتي الشح والجبن، وتعتبرهما من أسوأ الصفات التي يمكن أن يتصف بها الإنسان. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
” شَرّ مَا فِي رَجُل شُحّ هَالِع وَجُبْن خَالِع ”
يشير هذا الحديث إلى أن الشح المفرط والجبن الشديد هما من أسوأ الصفات التي يمكن أن توجد في الإنسان، لأنهما يعيقانه عن فعل الخير ويجعلانه أسيراً لمخاوفه وأنانيته.
فضل المصلين
تستثني الآيات الكريمة المصلين من صفة الهلع، وتصفهم بأنهم الذين يداومون على صلاتهم ويحافظون عليها في أوقاتها. فالصلاة هي عمود الدين، وهي الصلة التي تربط العبد بربه. والمحافظة على الصلاة تعين الإنسان على تجاوز صفة الهلع، لأنها تذكره بعظمة الله وقدرته، وتجعله أكثر صبراً ورضا بقضاء الله وقدره. وقد ورد في الأثر أن دانيال عليه السلام وصف أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة.
أهمية الزكاة والعطاء
بالإضافة إلى الصلاة، يعتبر العطاء والزكاة من الأمور التي تعين الإنسان على تجاوز صفة الهلع. فالذين يؤتون الزكاة ويعطون المحتاجين، يتخلصون من صفة البخل والشح، ويتعلمون أن يشاركوا الآخرين فيما رزقهم الله به. وقد ورد في الآيات الكريمة أن في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم. فالسائل هو الذي يسأل الناس لحاجته، والمحروم هو الذي لا يجد ما يكفيه من الرزق.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
” لِلسَّائِلِ حَقّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَس ”
الإيمان بيوم الحساب
الإيمان باليوم الآخر وبالحساب والجزاء هو من الأمور التي تعين الإنسان على تجاوز صفة الهلع. فالذين يؤمنون بأنهم سيقفون أمام الله تعالى للحساب، يعملون الصالحات ويتجنبون السيئات، ويحرصون على أن يكونوا من الفائزين في ذلك اليوم. فالإيمان باليوم الآخر يجعل الإنسان أكثر وعياً بمسؤولياته، وأكثر حرصاً على فعل الخير وتجنب الشر.
خلاصة
إن صفة الهلع هي صفة طبيعية في الإنسان، ولكن يمكن التغلب عليها من خلال الإيمان والعمل الصالح. فالمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان باليوم الآخر، هي من الأمور التي تعين الإنسان على تجاوز هذه الصفة والارتقاء بنفسه نحو الأفضل. فبالصلاة والزكاة والإيمان، يمكن للإنسان أن يكون أكثر صبراً ورضا بقضاء الله وقدره، وأكثر عطاءً وكَرَماً مع الآخرين.








