مدخل إلى المدرسة الرمزية في الأدب
ظهرت المدرسة الرمزية في الأدب خلال القرن التاسع عشر، وهي تيار أدبي يعتمد بشكل أساسي على الإشارة والتلميح للأفكار والعواطف، بدلاً من التعبير عنها بشكل صريح ومباشر. تعتبر الرمزية نقيضًا للمدرسة الواقعية، حيث تركز على التعبير غير المباشر عن المشاعر والأفكار الداخلية. تعتمد الرمزية على التلميح والإيحاء، وتجنب التصريح المباشر بالأفكار.
تتميز المدرسة الرمزية بعدة سمات رئيسية، والتي سيتم استعراضها تفصيليًا في هذا المقال.
التكامل البنيوي في العمل الأدبي
يشير التكامل البنيوي إلى أن النص الأدبي يمثل وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها. بمعنى آخر، من الصعب فصل جزء معين من القصيدة أو النص عن الأجزاء الأخرى، لأن ذلك سيؤثر سلبًا على المعنى العام للنص. تعمل جميع الأجزاء معًا لتشكيل البناء الفني الكامل الذي لا يقبل التجزئة.
الاستلهام من الموروث الثقافي
تعتمد المدرسة الرمزية بشكل كبير على توظيف الأساطير المختلفة والموروث الأدبي والديني للتعبير عن أفكار معينة تتناسب مع الأسطورة أو القصة المستخدمة. من بين الأساطير الأكثر شيوعًا في الأدب الرمزي: السندباد، والعنقاء، وشهرزاد، والأساطير الإغريقية مثل سيزيف وأفروديت وفاوست. كما استلهم الرمزيون قصصًا من الموروث الديني، مثل قصة صقر قريش وقصة أهل الكهف وقصة عازر.
يساعد استخدام الأساطير في إثراء ثقافة المتلقي والتعبير عن الحالة أو الفكرة التي يرغب الأديب في توصيلها، مثل الظلم والمعاناة السياسية والاجتماعية. على سبيل المثال، عبر الشاعر بدر شاكر السياب عن الظلم الذي تعرض له وأهله ووطنه من خلال استدعاء قصة صلب المسيح عليه السلام في قصيدته “المسيح بعد الصلب”.
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الصف: 6].
الغموض وتعدد التأويلات
يهدف الرمزيون في الشعر إلى الوصول إلى العمق، مما يجعل هذا النوع من الأدب مبهمًا وغامضًا. يظهر الغموض من خلال التناغم الموسيقي بين الألفاظ والتراكيب والدلالات التي تعطي النص معاني مختلفة. يعود الغموض في الأدب الرمزي إلى أسباب عديدة، منها:
- استخدام المفردات والتراكيب بشكل غير مألوف.
- طبيعة الرمز الغامضة التي لا توضح، بل تترك الأمر لخيال القارئ وتأويله.
- الاعتماد على الحواس ومراسلاتها.
- استخدام الإشارات والتلميحات التي تحتاج إلى شروح وتعليقات ومعرفة واسعة.
- التكثيف والإيجاز الشديد.
- الانطلاق من الحالات النفسية المبهمة التي يصعب التعبير عنها وتصويرها بوضوح.
- الرمزية قريبة من الموسيقى والفن التشكيلي التي تتواصل من خلال الانطباع.
التناغم الإيقاعي في النص الأدبي
يتميز الأدب الرمزي بالموسيقى الشعرية الكثيفة التي تستفيد من الكلمات والجمل والحروف والتراكيب والتناغم الصوتي في النص. ينقل هذا التناغم الجو النفسي من الكاتب إلى القارئ. الموسيقى هي أداة للتعبير وجزء مهم من أجزاء النص. تميزت الرمزية بأن لكل قصيدة موسيقى خاصة بها، ولم يتم الالتزام بوزن معين وقافية محددة.
التصوير الحسي وتداخلها
الأدب الرمزي غني بالصور الفنية المعنوية والحسية التي يرافقها الغموض. تتميز صورهم الفنية بالغزارة والإيحاء، مما يؤدي إلى كثافة النص الأدبي ويجعل لكل شيء محسوس معنى ودلالة معينة. كما يعتمد الرمزيون في صورهم على معطيات الحواس مثل الألوان والحركة والروائح بشكل كبير كأدوات تعبيرية لما فيها من تكثيف وإيجاز، بالإضافة لما تبثه في النفس من المفاجأة والدهشة بسبب الغموض الذي فيها. يستخدم الرمزيون لغة لا يفهمها العامة، وإنما خاصة بالشعراء أنفسهم.
تأويل الإلهام الشعري
الشعر عند الرمزيين يؤدي إلى الانفعال المزدوج بالقلب والعقل الذي لا يعتمد على نظام الكلام أو وزنه. قد لا يوجد المعنى الأدبي في الكلمات بشكل مباشر، إنما يترك للتصور الذهني للقارئ الذي قد يعطيها أبعادًا كثيرة. لذا اعتمدت الرمزية على إعطاء المتلقي الحدس والتصور الخاص في تفسير الإلهام الشعري للنص.
المراجع
- انطون غطاس كرم، كتاب الرمزية والأدب العربي الحديث، صفحة 8-12.
- تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 18-25.
- عبدالرزاق الأصفر، كتاب المذاهب الادبية لدى الغرب، صفحة 115-117.








