نظرة عامة على الأحداث في عصفور من الشرق
تعتبر رواية عصفور من الشرق من الأعمال الأدبية البارزة لتوفيق الحكيم، حيث تعكس الواقع الذي قد يواجهه الفرد الذي ينتقل للعيش في الغرب. في البداية، قد يرى القارئ أن الرواية تدور حول قصة حب بين شاب مصري وفتاة فرنسية من باريس، إلا أن هذه العلاقة تبوء بالفشل بسبب التباين الكبير بين الشرق والغرب، حيث يطغى أحدهما على الآخر.
تستعرض الرواية الحياة في الدول الأوروبية، ثم تظهر شخصية رجل روسي يقارن بين الشرق والغرب من خلال شخصيتي البطلين اللذين يسيطران على مجريات الأحداث. يناقش الكاتب إشكالية الشرق والغرب، ويوضح رؤية توفيق الحكيم لطبيعة الشعب الغربي الذي لا يؤمن بالحياة بعد الموت، ويعتبر الجسد مقتصراً على هذه الدنيا فقط.
أما الشرق، فيتميز بإيمان أهله بأن ما يفقدونه من متطلبات الحياة الدنيا سيعوض في الآخرة. تسلط الرواية الضوء على ترويج الغرب لفكرة عدم وجود حياة أخرى، مما يدفع الشرقيين للبحث عن الأمان والاستقرار في الدول الغربية، مما يمثل صراعًا حقيقيًا بين الحضارتين العربية والغربية.
وصف الله هذا الصراع في القران الكريم حيث قال:
قال تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ} [البقرة: 120].
المنهجية اللغوية في عصفور من الشرق
اعتمد الكاتب على الرمزية في سرد قصة عصفور من الشرق. فكلمة “عصفور” ترمز إلى البراءة والجمال والحرية والخفة وغيرها من الصفات الإيجابية. أما “الشرق” فيعبر عن مكان انتماء العصفور، والنطاق الجغرافي والحضاري الذي ينتمي إليه.
مهما سافر العصفور وتغير مكانه، فإنه سيظل يحمل صورة الشرق في داخله. وقد تكررت هذه الفكرة في الرواية على لسان الشخصيات. استخدم توفيق الحكيم قدرته اللغوية المميزة لتجسيد الأفكار التي يريد طرحها. تدور أحداث الرواية في فصل الشتاء، وقد يكون ذلك متعمدًا لتهيئة الجو المناسب لوصف الصراع بين الشرق والغرب.
كما أكد الكاتب أن الصراع والجدل لا ينتهيان حتى لو عاش عصفور الشرق في الغرب. اختار الكاتب باريس كموقع للأحداث، فهي عاصمة العشق والأدب التي يجد فيها الإنسان الأمل، وينعكس جمالها على نفوس الشخصيات لتعبير عما في قلوبهم دون خجل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”.
الرمزية والتصوير الفني في عصفور من الشرق
استخدم توفيق الحكيم الصورة الفنية كلوحة معبرة عن مشاعره، ومعالجة ما لم يستطع البوح به مباشرة. وظف الصورة ببراعة فائقة، وصور الصراع بين العالمين بدقة متناهية. من بين ما ذكره في روايته:
“إني أفهم الآن موقف آدم عقب إخراجه من جنة السماء، إني أتخيله قد لبث -بغير حراك- في الموضع الذي هبط فيه، ومرت به ليال وأيام وهو ينظر إلي السماء يرقب كل حركة فيها: إذا رعدت؛ فهو صوت أبوابها تفتح لتناديه من جديد، وإذا لمع البرق؛ فهي ابتسامة رضا قد يعقبها انفراج المحنة، وإذا تساقطت الشهب؛ فهي همسات غضب ما زال قائمًا، وإذا استدار البدر”.
الصورة التي وصف بها الكاتب آدم -عليه السلام- لا تقتصر عليه فقط، بل هي صورة أي إنسان يواجه المصاعب والمحن، وينتظر من السماء بشارة تخلصه من الألم.
قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًا} [الطلاق: 2-3].
تقنيات الحوار والقصص في عصفور من الشرق
من خلال الحوار والسرد، سعى الكاتب لمواجهة أفكاره وطرحها على لسان الشخصيات في الرواية، لتنقل تلك الشخصيات ما يؤمن به من أفكار. ومن ذلك ما ذكره على لسان إحدى الشخصيات:
“من قال لك ذلك؟ أتعرف ما هو العلم أيها الفتى؟ إن العلم عِلمان: العلم الظاهر والعلم الخفي و إن أوروبا حتى اليوم طفلة، تعبث تحت أقدام ذلك العلم الخفي”.
بهذا الحوار، يوضح الكاتب أن العلم الذي تمتلكه أوروبا مزيف، وأنها لم تكن لتصل إليه لولا الحضارات الأفريقية والآسيوية التي استخدمتها كدليل للتقدم.
تحليل للشخصيات الرئيسية في عصفور من الشرق
تضم رواية عصفور من الشرق مجموعة من الشخصيات البارزة، منها:
- محسن: الشاب الذي غادر مصر إلى فرنسا لإكمال دراسته، وهو الشخصية الرئيسية في الرواية والذي يعيش قصة حب فاشلة مع فتاة فرنسية، ويكره الاستعمار البريطاني الذي أبعد مصر عن الحضارة في تلك الفترة.
- أندريه: الشخصية التي تتفاعل مع محسن، وعلى الرغم من كونه فرنسيًا، إلا أنه يعاني من صعوبات الحياة مثل أي إنسان، ويسعى لتأمين معيشة أطفاله.
- جرمين: زوجة أندريه التي تساعده في العمل لتأمين حياة أطفالهم، إلا أنها لا تستطيع القيام بدور الأم بشكل كامل.
وجهات نظر نقدية حول عصفور من الشرق
تضمنت رواية عصفور من الشرق مجموعة من الآراء النقدية، منها:
- أحمد فوزي: “استخدم توفيق الحكيم التشبيه في روايته، وقد تكرر ذلك في ثلاث وثلاثين جملة، والتشبيه هو أسلوب بلاغي يوضح التشابه بين العبارات”.
- ريناتو شهباني: “تحكي رواية عصفور من الشرق قصة رجل من الشرق درس في فرنسا وهو توفيق الحكيم، ووجد هناك حقيقة الحب المر”.
عصفور من الشرق هي رواية لتوفيق الحكيم، تتحدث عن الألم الذي قد يعيشه كل عربي يقرر العيش في الدول الغربية، فيكون هو الضحية لأنه لا يستطيع التخلص من هويته الشرقية.
المصادر
- توفيق الحكيم، عصفور من الشرق.
- أبتنوال شارف، تحولات صورة الآخر في الرواية العربية.
- برانتو شهباني، الأشخاص في رواية عصفور من الشرق.
- أحمد فوزي، أسلوب التشبيه في رواية عصفور من الشرق.








