تمييز المصادفة عن القضاء والقدر

استكشاف مفهوم المصادفة والقدر في الإسلام. فهم العلاقة بينهما، وهل الإنسان مُسيّر أم مُخيّر. نظرة شاملة مع مراجع موثوقة.

مقدمة

في رحاب التفكر في الكون والحياة، يبرز سؤال هام حول العلاقة بين المصادفة والقدر. يسعى هذا المقال إلى استجلاء هذه العلاقة، وتوضيح الفروق الجوهرية بينهما، مع الاستناد إلى تعاليم الإسلام السمحة. إن فهم هذه المفاهيم يساهم في تعزيز إيماننا بالله، وتعميق وعينا بحكمته البالغة في تسيير هذا الكون.

تعريف المصادفة

تُعرف المصادفة بأنها التقاء حدثين أو أكثر في مكان أو زمان معين، دون تخطيط أو تدبير مسبق من الإنسان. قد تكون هذه الأحداث مرتبطة ببعضها البعض بطريقة ما. تحدث المصادفات بشكل طبيعي وهي جزء من النظام الكوني الذي وضعه الله. قد تكون المصادفة سارة، مثل لقاء شخص عزيز بعد غياب طويل، أو قد تكون غير سارة، أو محايدة.

إن وجود عدد كبير من الأشخاص في أماكن وأزمنة محددة يجعل وقوع المصادفات أمرًا واردًا. فلكل شخص قدره الخاص، وقد يتقاطع قدره مع قدر شخص آخر في لحظة معينة. على سبيل المثال، قد يكون مقدرًا لك الذهاب إلى السوق اليوم، وفي نفس الوقت يكون مقدرًا لشخص آخر لم تره منذ سنوات أن يذهب إلى نفس السوق في نفس الوقت، فتتقابلان. هذا كله جزء من الأقدار التي كتبها الله.

معنى القدر

القدر مفهوم أوسع وأشمل من المصادفة. هو علم الله الأزلي بكل ما سيحدث في الكون، وتدبيره المحكم لكل شيء. قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]. فالقدر يشمل كل ما قدره الله من أمور خلقه، ويسير هذا الكون بتفاصيله الدقيقة. إن فهم القدر بشكل كامل هو أمر يختص به الله وحده.

إن كتابة الأقدار والحفاظ على هذا التناسق في الكون هو أمر معجز يفوق إدراك البشر. فالمؤمن الحق يعلم أن الله قد خطط لحياته الشخصية، ونسقها مع حياة الآخرين، ضمن نظام كوني دقيق. لقد حدد الله لكل شخص رزقه، وعمره، وسعادته وشقائه، وكل ما يتعلق بنصيبه من الحياة الدنيا. وحتى المصادفات التي يمر بها الشخص هي مقدرة له ومكتوبة في قدره منذ الأزل.

الاختيار والتسيير

عند الحديث عن القدر، قد يثور تساؤل حول ما إذا كان الإنسان مُسيّرًا أم مُخيّرًا في هذه الحياة. الإجابة الأقرب هي أن الإنسان مُسيّر في أمور معينة، مثل مكان ولادته، وأسرته، وظروفه الاجتماعية والاقتصادية الأولية. ولكنه مُخيّر في أمور أخرى عديدة.

فالإنسان يختار أن يؤمن أو يكفر، وأن يسعى لتغيير واقعه أو أن يستسلم له، وأن يختار مجال دراسته وعمله، وأن يرتبط بشريك حياته، وأن يسافر أو يبقى في وطنه. هذه كلها أمور يمكن للإنسان أن يقررها. وقد يقدرها الله له أو يمنعها عنه، وهذا كله خير. فالمؤمن الذي يثق بقدرة الله ورحمته يعلم أن الله مطلع على الغيب، ويختار للإنسان القدر الذي يتناسب مع مستقبله الذي يجهله، حتى وإن بدا للوهلة الأولى أنه ابتلاء.

خلاصة الفرق بين المصادفة والقدر

القدر هو علم الله الشامل وتدبيره المحكم لكل شيء في الكون، بينما المصادفة هي التقاء أحداث دون تخطيط مسبق. كل إنسان يعيش ما هو مقدر له من قبل الله، وقد تحدث المصادفات في هذه الأثناء. المسلم يؤمن بالقدر كجزء من إيمانه بالله، ولا يعتقد أن للمصادفات أي تأثير مستقل على حياته، بل هي جزء دنيوي من القدر الإلهي. هذا الإيمان يعزز ثقته بقضاء الله وقدره، ولا يزعزع يقينه.

المراجع

  1. د. أحمد خيري العمري، ليطمئن عقلي، صفحة 253. بتصرّف.
  2. “التفرقة بين الحظ والصدفة وبين القضاء والقدر”، مركز الأبحاث العقائدية.
  3. د. يسر الغريسي حجازي (31/10/2019)، “القدر والصدفة”، دنيا الوطن.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تمييز العلاقات: الحب أم الصداقة؟

المقال التالي

تمييز الصدفية عن الإكزيما: دليل شامل

مقالات مشابهة