تمييز التقمص عن التقليد

استكشاف الفرق بين التقمص والتقليد. تعريفات، أمثلة، وآثار كل من التقمص والتقليد على الفرد والمجتمع.

مقدمة

يبرز التمييز بين مفهومي التقمص والتقليد كأحد الجوانب الهامة في فهم السلوك البشري والتطور النفسي. في حين أن كلاهما يتضمن نوعًا من التأثر بالآخرين، إلا أنهما يختلفان جوهريًا في طبيعتهما وآثارهما. ظهر مصطلح التقمص على يد عالم النفس الشهير سيجموند فرويد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وهو لا شعوري، أما التقليد فهو نمط سلوكي يتم بشكل شعوري يحاول من خلاله الفرد أن يتابع شخصًا آخر وهي ظاهرة اجتماعية منطقية.[1] يستهدف هذا النص تسليط الضوء على هذه الفروقات، وتقديم توضيحات مفصلة حول كل مفهوم.

فهم التقمص (التماهي)

التقمص، أو ما يُعرف أيضًا بالتماهي، هو عملية نفسية تحدث بشكل لا واعٍ. يعني ذلك أن الفرد يتبنى دوافع، اتجاهات، وسمات شخص آخر، بحيث تصبح هذه السمات جزءًا لا يتجزأ من شخصيته وكيانه. بعبارة أخرى، هو عملية نفسية يتحول من خلالها الشخص كليًا أو جزئيًا حسب صفات ومظاهر وخصائص الشخص الآخر، وتتم هذه العملية من خلال سلسة من التقمصات في شخصية الفرد الآخر وبالتالي يُصبح شبيه الآخر.

يمكن ملاحظة التقمص العاطفي الأولي لدى الأطفال وهو التعلق العاطفي بالأم؛ فالطفل عند ولادته لا يستطيع تمييز نفسه عن الآخرين فيتعلق بوالديه ويتعامل معهم كأنهم جزء من نفسه فيتم اكتساب صفات الوالدين بشكل غير واعٍ وتتشكل لديه القيم والمبادئ الأخلاقية الموجودة لدى الوالدين والتي تربوا عليها.

أما التقمص الثانوي (النرجسي) فهو قيام الفرد بتقمص شخصية فرد متوفٍ فيقوم الفرد بارتداء ملابس الشخص المتوفي، والتقمص الجزئي هو اختيار صفة مميزة لدى شخص ما والقيام بتقمصها؛ فمثلًا يرى الابن والده شجاعًا، فيتقمص هذه الصفة ويصبح شجاعًا كوالده، هذا النوع من التقمص يساعد في تطوير شخصية الفرد وتعزيز الحياة الاجتماعية لديه، والتقمص أقوى من التقليد فهو يرسخ في الشخصية.

فهم التقليد

التقليد، على النقيض من التقمص، هو عملية واعية ومقصودة. يتضمن محاكاة سلوك، أفعال، أو أساليب شخص آخر. فالتقليد عملية نفسية وعقلية تتم من أجلاكتساب المهاراتوالخبرات وتعلم شيء معين من خلال التكرار، وقد يحصل التقليد فقط من أجل اللعب والتسلية والضحك فالطفل قد يقلد ما يشاهده على التلفاز، وقد يكون التقليد بدافع المحبة، فعندما تحب شخصًا معينًا تصبح تقلده بأفعاله وتصرفاته لمحبتك له، وقد يكون التقليد بدافع السخرية من شخص تكرهه، وقد يكون التقليد بدافع الاقتداء أو الإعجاب بشخص ما فتطمح لتصبح مثله أو لتحقيق بعض الأهداف مثل الحصول على التعزيز والمدح من الآخرين.

قد يتم التقليد من أجل لفت نظر الآخرين، وقد نلاحظ التقليد لدى الأطفال فيحاول الطفل أن يظهر كمظهر والده فيقلده بطريقة حديثه ويلبس كملابسه، وقد نلاحظ تقليد الأطفال لأصوات الحيوانات وتقليد ما يشاهدونه على التلفاز وتقليد أدوار معينة كدور الشرطي ودور الطبيب ودور المعلم، والتقليد في الرسم والغناء وطريقة كلام شخص ما.

من خلال التقليد يتم تحديد الهوية الذاتية وتعلم اللغة والكلام والمهارات الحركية، وقد يقوم الشخص بتقليد القيم الخاطئة والسلوكيات السلبية وتجربة أشياء خطرة قد يراها الشخص أمامه واستخدام الأدوات الخطرة كأن يقوم الطفل بمحاولة تقليد الأم لتقطيع الخضراوات فيمسك السكين أو يشغل الغاز وغيرها من مثل هذه الأمور.[2]

الاختلافات الرئيسية بين التقمص والتقليد

يكمن الفرق الجوهري بين التقمص والتقليد في مستوى الوعي والاندماج. التقمص يحدث دون وعي، ويؤدي إلى دمج صفات الآخر في الشخصية. أما التقليد، فهو فعل واعٍ ومقصود، غالبًا ما يكون سطحيًا ولا يغير من الشخصية الأساسية.

  • الوعي: التقمص لا واعي، بينما التقليد واعي.
  • الاندماج: التقمص يؤدي إلى اندماج الصفات، بينما التقليد هو مجرد محاكاة خارجية.
  • الهدف: التقمص ليس له هدف واضح، بينما التقليد قد يكون له أهداف مختلفة مثل التعلم أو الترفيه.

أمثلة توضيحية

لتوضيح الفرق، يمكن النظر إلى الأمثلة التالية:

  • التقمص: طفل يتربى في بيئة تتسم بالكرم والجود، فيتبنى هذه الصفات ويصبح كريمًا بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى التفكير في الأمر.
  • التقليد: طالب يقلد طريقة كلام معلمه المميزة، بهدف الحصول على إعجاب المعلم أو لفت الانتباه في الفصل.

التأثير على التطور الشخصي

لكل من التقمص والتقليد دور هام في تشكيل الشخصية والتطور الاجتماعي. التقمص يساعد في بناء القيم والمبادئ الأساسية، بينما التقليد يساهم في اكتساب المهارات والخبرات.

التقمص يلعب دورًا حيويًا في تشكيل الهوية والقيم الأساسية للفرد. من خلال التقمص، يتعلم الأطفال القيم الأخلاقية والاجتماعية من آبائهم ومقدمي الرعاية، مما يساهم في بناء شخصياتهم وتوجيه سلوكهم. التقليد، من ناحية أخرى، يساعد في اكتساب المهارات والخبرات الجديدة. الأطفال يقلدون سلوكيات البالغين لتعلم اللغة، المهارات الحركية، والقدرات الاجتماعية.

الخلاصة

في الختام، يمثل التمييز بين التقمص والتقليد فهمًا أعمق لكيفية تأثير الآخرين علينا. بينما كلاهما يلعب دورًا في التطور الشخصي والاجتماعي، إلا أنهما يختلفان في طبيعتهما وأهدافهما وآثارهما.

[1] “تقليد”،حول علم النفس، اطّلع عليه بتاريخ 14/1/2022. بتصرّف.

[2] “التقليد عند الأطفال بين اللعب ووظيفة التعلم”،حِلّوها، 14/11/2018، اطّلع عليه بتاريخ 14/1/2022. بتصرّف.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

مقارنة بين عمليتي التفويض والتمكين

المقال التالي

تمييز أساليب التقييم: نظرة على البديل والتقليدي

مقالات مشابهة