جدول المحتويات
ما هو اللعان؟
يعتبر اللعان في الشريعة الإسلامية إجراءً قانونيًا يتم بين الزوجين في ظروف معينة. ويتعلق الأمر بشكل أساسي بحالات اتهام الزوج لزوجته بالزنا دون وجود بينة قاطعة، أو في حالة إنكاره نسب الولد. في هذه الحالات، يتم اللعان بشهادات وأيمان خاصة، مقرونة باللعن من جهة الزوج والغضب من جهة الزوجة. هذا الإجراء له آثار قانونية واجتماعية هامة، حيث يمكن أن يؤدي إلى التفريق بين الزوجين ونفي نسب الولد.
وقد قام علماء الفقه بالبحث في حكم اللعان بشكل موسع، مع توضيح الأسباب التي تستدعي اللجوء إليه. بشكل عام، يتفق الفقهاء على أن اللعان يهدف إلى تحقيق العدالة والحفاظ على الحقوق، سواء للزوج أو للزوجة أو للأبناء.
- عند الشافعية: يرون أن اللعان ضروري في حال اتهام الزوجة بالزنا أو نفي الحمل، ولا يجب على الزوج اللعان إلا لنفي نسب الولد الذي يعلم أنه ليس منه.
- الحنفية: يذهبون إلى وجوب اللعان عند اتهام الزوج زوجته بالزنا، مستدلين بالآية الكريمة: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النور: 6-7].
- المالكية: يشترطون ثلاث حالات لوجوب اللعان: رؤية الزوج لزوجته تزني، نفي الحمل، أو قذف الزوجة بالزنا دون رؤية أو نفي حمل.
- الحنابلة: يجيزون اللعان لإسقاط حد القذف عن الزوج الذي قذف زوجته.
إثبات مشروعية اللعان
كلمة اللعان في اللغة تعني الطرد والإبعاد، كما في “لعن إبليس” أي طرده من الجنة. أما في الاصطلاح الشرعي، فاللعان هو الشهادات والأيمان المؤكدة التي تجري بين الزوجين في حالات خاصة، مثل اتهام الزوج زوجته بالزنا دون دليل، أو إنكار نسب الولد من قبل الزوج مع إنكار الزوجة لهذه الادعاءات.
تتجلى مشروعية اللعان في القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، وقد شُرع لإسقاط حد الزنا عن الزوجة في الحالات التي يثبت فيها الزوج اتهامه لها. إليكم الأدلة:
الأدلة من القرآن الكريم:
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النور: 6-7].
الأدلة من السنة النبوية:
ما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “أنَّ هِلالَ بنَ أُمَيَّةَ، قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: البَيِّنَةَ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إذا رَأَى أحَدُنا علَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ، فَجَعَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: البَيِّنَةَ وإلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ فقالَ هِلالٌ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إنِّي لَصادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ ما يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وأَنْزَلَ عليه: {والذينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ} فَقَرَأَ حتَّى بَلَغَ: {إنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فانْصَرَفَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأرْسَلَ إلَيْها، فَجاءَ هِلالٌ فَشَهِدَ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهلْ مِنْكُما تائِبٌ ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كانَتْ عِنْدَ الخامِسَةِ وقَّفُوها، وقالوا: إنَّها مُوجِبَةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ ونَكَصَتْ، حتَّى ظَنَنَّا أنَّها تَرْجِعُ، ثُمَّ قالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَومِ، فَمَضَتْ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أبْصِرُوها، فإنْ جاءَتْ به أكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سابِغَ الألْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهو لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْماءَ، فَجاءَتْ به كَذلكَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَوْلا ما مَضَى مِن كِتابِ اللَّهِ لَكانَ لي ولَها شَأْنٌ.”
الأدلة من إجماع العلماء:
أجمعت الأمة الإسلامية على مشروعية اللعان بين الزوجين دون إنكار من أحد.
تفصيل كيفية اللعان
يتم اللعان بقيام الزوج بالشهادة أربع مرات قائلًا: “أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي من الزنا”. ثم يقول في المرة الخامسة: “إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا”، مع ذكر اسم الزوجة أو الإشارة إليها. بعد ذلك، ترد الزوجة أربع مرات قائلة: “أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا”، ثم تقول في المرة الخامسة: “إن غضب الله علي إن كان من الصادقين”، مع الإشارة إلى الزوج أو ذكر اسمه.
أركان اللعان الأساسية
بينما يرى الحنفية أن الركن الوحيد للّعان هو اللفظ (الشهادات والأيمان واللعن)، يرى جمهور العلماء أن للّعان أربعة أركان:
- المُلاعِن: الزوج الذي تربطه علاقة زوجية صحيحة بالمرأة.
- المُلاعِنة: الزوجة المتهمة بالزنا.
- اللفظ: الصيغة التي تتم بها الملاعنة.
- السبب: القذف بالزنا أو نفي نسب الولد.
ضوابط وشروط اللعان
يشترط لصحة اللعان عدة شروط:
- قيام الزوجية الصحيحة: سواء بالدخول أو بدونه.
- الأهلية للشهادة: يجب أن يكون الزوجان عاقلين بالغين.
- أمر الحاكم: يستحب أن يتم اللعان بحضور شهود.
- القذف والإنكار: يجب أن يسبق اللعان قذف من الزوج وإنكار من الزوجة.
حالة رفض أحد الطرفين اللعان
إذا امتنع أحد الزوجين عن اللعان، يترتب على ذلك إقامة حد القذف على الزوج الممتنع، أو حبس الزوجة الممتنعة حتى تُقرّ بما ادّعى به الزوج أو تُلاعن.
لقوله تعالى: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ) [النور: 8].
الآثار القانونية المترتبة على اللعان
تبعات اللعان على الزوجين
- إسقاط الحد: يسقط حد القذف عن الزوج وحد الزنا عن الزوجة.
- التفريق بين المتلاعنين: يتم التفريق بين الزوجين بشكل دائم بسبب البغضاء والقطيعة.
أما بالنسبة لوقت التفريق، هناك آراء مختلفة:
- الشافعية: يقع التفريق بمجرد ملاعنة الزوج.
- المالكية: يقع التفريق بتمام ملاعنة الزوجين.
- الحنفية والحنابلة: لا يقع التفريق إلا بتمام اللعان وتفريق الحاكم.
إذا كذب الزوج نفسه بعد اللعان، فإن جمهور العلماء يرون أن الزوجة لا تحل له، بينما يرى الحنفية أنه يحق له إرجاعها إذا أقيم عليه حد القذف.
تأثير اللعان على الأطفال
يترتب على اللعان نفي نسب الولد وإلحاقه بوالدته، ويشترط لذلك عدة أمور:
- الفورية: أن ينفي الزوج نسب الولد عند الولادة أو خلال مدة التهنئة.
- عدم الإقرار: أن لا يكون الزوج قد أقرّ بالولد سابقًا.
- حياة الولد: اشترط الحنفية أن يكون الولد حيًا عند اللعان.








