مقدمة
تعتبر المقامة الحلوانية للبديع الهمذاني نصًا أدبيًا ثريًا بالأساليب البلاغية المتنوعة، ومن أبرز هذه الأساليب أسلوب التضاد، الذي يضفي على النص عمقًا وجمالية خاصة. هذه المقالة تحاول الغوص في تفاصيل هذا الأسلوب في المقامة، وكيف تم استخدامه لإبراز جوانب مختلفة من القصة والشخصيات.
صور التناقض في سرد المقامة
يتجلى التضاد في المقامة الحلوانية في عدة مواضع، بدءًا من الطريقة التي يصف بها ابن هشام الأحداث والشخصيات. على سبيل المثال، يروي ابن هشام عن الحجامين قائلاً: “وما لبث أن دخل الأول، فحيّا أخدع الثاني بمضمومة قعقعت أنيابه”. هنا، نجد أن كلمة “حيّا” التي تدل على السلام والتحية تستخدم في سياق معاكس تمامًا، حيث تشير إلى ضرب الحجام الأول للثاني. هذا التضاد اللفظي يخلق مفارقة لافتة تجذب انتباه القارئ وتثير تساؤلاته.
كما يظهر التضاد في رد فعل صاحب الحمام على الشجار بين الحجامين. فبدلاً من توبيخهم على هذا الشجار الذي يحدث فوق رأسه، نجده يوجه كلامه لابن هشام قائلاً: “اسكت يا فضولي”. ثم يوجه كلاما لأحد الحجامين: “يا هذا إلى كم هذه المنافسة مع الناس”، ثم يكمل ذمه لابن هشام لينهي الاحتدام بينهم ” تسلّ عن قليل خطره إلى لعنة الله وحر سقره، وهب أنّ هذا الرأس ليس، وأنّا لم نرَ هذا التيس”. هذا الكلام يحمل في طياته مفارقة واضحة، حيث يلوم ابن هشام على الفضول، بينما هو نفسه يتدخل في شأن لا يعنيه.
ويزيد هذا التضاد وضوحًا عندما يجيب ابن هشام صاحب الحمام قائلاً: “يا عافاك الله هذا رأسي، قد صحبني في الطريق، وطاف معي بالبيت العتيق وما شككت أنه لي”، ليأخذ هو دور الثرثار مع أنه في بدايةالمقامةأوصى غلامه بحجاما غير فضولي، فيجيبه صاحب الحمام “اسكت يا فضولي”.
عندما نتأمل في الأسلوب الذي استخدمه ابن هشام في وصف الحجام المطلوب، نجد تناقضًا آخر. فقد طلب “حمام واسع الرقعة، نظيف البقعة، طيب الهواء معتدل الماء وليكن الحجام خفيف اليد حديد الموسى نظيف الثياب قليل الفضول”، لكن هذا الإسهاب في الوصف يحمل في طياته شيئًا من الفضول الذي يرفضه في الحجام.
التناقض في انتقاء الخدم للحجام
تبرز المفارقة بشكل خاص في اختيار الغلامين للحجام. فابن هشام، الذي أوصى بغلامه بأن يكون الحجام قليل الفضول ونظيف الثياب، يجده قد اختار حجامًا فضوليًا. وعلى النقيض من ذلك، الحجام الذي اختاره الشخص الآخر، والذي نال استحسان ابن هشام في البداية بسبب مظهره الحسن، يتبين في النهاية أنه يعاني من الهذيان.
يظهر التضاد بوضوح عندما يطلب ابن هشام حجامًا غير فضولي، فيأتيه من هو ثقيل اليد. وبعد هذه التجربة، يقول: “وقلت لآخر اذهب فأتني بحجام يحط عني هذا الثقل فجاءني برجل لطيف البنية مليح الحلية في صورة الدمية”، ومن هذا الوصف يظهرالحجام الآخر خفيف اليد ولم يحرص ابن هشام على أن يكون قليلالفضولليتفاجأ بهذيانه الشديد.
توضيح مفهوم التضاد
التضاد هو أسلوب بلاغي يقوم على التناقض بين المعاني، حيث يبرز المعنى الخفي في تضاد مع المعنى الظاهري. هذا الأسلوب يتطلب من القارئ بذل جهدًا لغويًا وذهنيًا للتأمل في النص وكشف دلالاته الخفية. وأنواع التضاد على النحو الآتي:
- تضاد اللفظ.
- تضاد الموقف أو السياق.
أهمية التضاد البلاغية
للتضاد أهمية كبيرة في النصوص الأدبية، فهو يقوم على الصراع والتناقض بين الأشياء، مما يظهر الجوانب السلبية والإيجابية لكل شيء. كما يعكس التضاد الازدواجية الموجودة في الحياة، ويخرجها إلى العلن بأسلوب فكاهي. من خلال التضاد، يتوصل القارئ إلى فهم أعمق للنص، وينظر إلى الوجود بفلسفة مختلفة.
المصادر
- الهمذاني، مقامات بديع الزمان الهمذاني، صفحة 198.
- “تعريف وشرح معنى الأخدع”، معجم المعاني.
- الهمذاني، مقامات بديع الزمان الهمذاني، صفحة 199.
- نعمان متولي، المفارقة اللغوية في الدراسات، صفحة 16.
- نعمان متولي، المفارقة اللغوية في الدرسات، صفحة 19.







