مقدمة
يهدف هذا المقال إلى إلقاء الضوء على الفروقات الجوهرية بين مفهومين أدبيين هامين: الأدب الذي اكتسب شهرة عالمية، والدراسات التي تعنى بمقارنة الآداب المختلفة. سنستعرض تعريف كل منهما، ونتتبع جذور نشأتهما، ونسلط الضوء على أبرز الرواد في كلا المجالين، مع تقديم نماذج توضيحية ودراسات ذات صلة.
تعريف الأدب ذي الصيت العالمي
يشير مصطلح الأدب ذي الصيت العالمي إلى الأعمال الأدبية التي تجاوزت الحدود الجغرافية والثقافية للدولة التي نشأت فيها، لتصل إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء العالم. هذا الانتشار يمكن أن يتحقق من خلال الترجمة إلى لغات متعددة، أو من خلال تناول قضايا إنسانية عالمية تلامس قلوب القراء بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية. بعبارة أخرى، هو الأدب الذي يحظى بتقدير عالمي واسع النطاق.
مفهوم الدراسات الأدبية المقارنة
أما الدراسات الأدبية المقارنة، فهي فرع من فروع الأدب يهدف إلى دراسة العلاقات والروابط بين الآداب المختلفة، سواء كانت هذه الآداب تنتمي إلى لغات مختلفة أو ثقافات متباينة. يركز هذا النوع من الدراسات على تحليل أوجه التشابه والاختلاف بين الأعمال الأدبية، وتحديد مصادر التأثير والتأثر بينها، بهدف فهم أعمق للعمل الأدبي في سياقه الثقافي والتاريخي.
بدايات ظهور الأدب ذي الصيت العالمي
يعود الفضل في الترويج لمفهوم الأدب ذي الصيت العالمي إلى الكاتب الألماني غوته، الذي أكد على أهمية الأدب الذي يتجاوز الحدود القومية ويعبر عن آمال وآلام البشرية جمعاء. رأى غوته أن الأدب العالمي هو وسيلة فعالة للتواصل بين الأمم وتعزيز التفاهم المتبادل.
أشار غوته إلى أن ما يجعل الأدب القومي يرتقي ليصبح أدبًا عالميًا هو قدرته على التفاعل مع ثقافات أخرى والوصول إلى جمهور أوسع خارج حدوده المحلية. سعى غوته إلى توحيد الآداب تحت مظلة الأدب الأوروبي، مما جعله مرتبطًا بشكل وثيق بمفهوم الأدب العالمي.
أصول الدراسات الأدبية المقارنة
يعتبر الفرنسي آبل فيلمان أول من استخدم مصطلح “الأدب المقارن”. بدأت بوادر ظهور هذا الحقل الدراسي في أوروبا، وتطورت على مراحل:
- في العصور القديمة: تجلى التأثير المتبادل بين الآداب في تأثر الأدب الألماني بالأدب الروماني، حيث أصبحت روما مركزًا ثقافيًا وأدبيًا بعد انتصارها على اليونان في عام 146 قبل الميلاد، مما دفع اللاتينيين إلى محاكاة الرومان والاقتداء بهم.
- في العصور الوسطى: خضعت الآداب الغربية لتأثير عاملين رئيسيين: العامل الديني، حيث طغت الطابع المسيحي على الأدب واستخدمت اللغة اللاتينية (لغة الكنيسة) في الكتابة، والعامل الثاني هو الفروسية، التي وحدت العديد من الآداب الغربية في تلك الفترة.
- في عصر النهضة: شهد هذا العصر تطورات هامة في الدراسات الأدبية المقارنة:
- العصر الكلاسيكي: في القرنين السادس والسابع عشر، اتجهت الآداب الغربية نحو النماذج اللاتينية واليونانية القديمة، مع الدعوة إلى اتباع الأدب اليوناني كطريقة للتخلص من الفكر الديني الذي ساد في العصور الوسطى.
- الحركة الرومانتيكية: دعت إلى دراسة الآداب الأخرى بلغاتها الأصلية والاستفادة منها لفتح آفاق جديدة للأدب القومي.
- الحركة العلمية: ظهرت أبحاث تعتمد على النظريات العلمية والدراسات الاستنتاجية للكشف عن أصول الأدب وأفكاره وتحديد أوجه التأثير والتأثر.
أعلام الأدب العالمي
من أبرز الشخصيات التي ساهمت في إثراء الأدب العالمي بأعمالها الخالدة:
- فيرجيل (70- 91 ق.م): شاعر روماني اشتهر بملحمته “الإنيادة”.
- كونفوشيوس (479- 551 ق.م): فيلسوف وشاعر صيني أسس مدرسة أخلاقية تدعو إلى احترام الذات والمجتمع والعادات والتقاليد.
- جيوفاني بوكاشيو (1313م- 1375م): رائد النثر الحديث في الأدب الإيطالي، اشتهر بكتاباته الساخرة حول المشكلات الاجتماعية المعاصرة.
شخصيات رائدة في الأدب المقارن
من الرواد الذين ساهموا في تأسيس وتطوير الدراسات الأدبية المقارنة:
- جورج برانديس: درس الفلسفة وعلم الجمال في جامعة كوبنهاجن.
- إدوارد رود: كاتب وصحفي فرنسي سويسري قدم دروسًا جامعية في الأدب المقارن.
- ماكس كوش: ناقد ومؤرخ ألماني أسس مجلة متخصصة في الأدب المقارن في ألمانيا.
أمثلة من الأدب العالمي
تتجلى عالمية الأدب في الاقتباسات التالية:
- قول شكسبير في مسرحية الملك لير:
“إذا كان سبب خسارتي حبكم هو افتقاري لفن التملق كوني أفعل ما أنويه قبل الإفصاح عنه، فأرجو أن توضحوا للجميع أن سبب حرمانكم لي من رحمتكم لم يكن وصمة أو جريمة تمس شرفي، بل كان افتقادي للأشياء التي من دونها أنا الأغنى”.
- قول غابرييل غارسيا ماركيز في رواية مئة عام من العزلة:
“لم يكن يهتم بالموت وإنّما بالحياة، ولهذا فإنّ الإحساس الذي راودَه عندما نطقوا بالحكم لم يكن إحساسًا بالخوف وإنّما بالحنين”.
- قول دوستويفسكي في رواية الجريمة والعقاب:
“هكذا حال النفوس الرومانسية دائمًا، تظلّ حتّى آخر لحظة تزيّن الناس بريش الطاوس، تظلّ حتّى آخر لحظة تفترض الخير لا الشر، ورغم تصورها وجود الشر فإنّها لا يمكن أن تعترف بذلك لنفسها بحال من الأحوال”.
أبحاث في الدراسات الأدبية المقارنة
من بين الدراسات الهامة في مجال الأدب المقارن:
- الأدب المقارن: من تأليف ماريو فرانسوا غويّار، يتناول مفهوم الأدب المقارن وأسسه ومواضيعه وتطوراته.
- الأدب المقارن مقدمة نقدية: من تأليف سوزان باسنيت، يقدم نظرة نقدية على الأدب المقارن.
- في الأدب المقارن دراسات نظرية وتطبيقية: من تأليف الطاهر أحمد مكي، يستعرض مناهج دراسة الأدب المقارن بأسلوب تطبيقي تحليلي.
- الأدب المقارن: من تأليف محمد غنيمي هلال، يتضمن الأصول للدراسة المقارنة والأسس الأولى لهذا العلم ونشأته ومدارسه.
المراجع
- أبتنبيل راغب، معالم الأدب العالمي المعاصر، صفحة 7 – 15. بتصرّف.
- ماريوس فرانسوا غويار، الأدب المقارن، صفحة 7 – 13. بتصرّف.
- أسماء غجاتي، مدخل إلى الأدب العالمي، صفحة 1 – 9. بتصرّف.
- سامية سعيد عمار، محاضرات مدخل إلى الأدب المقارن، صفحة 8 – 20. بتصرّف.
- علي عبد الفتاح، أعلام في الأدب العالمي، صفحة 9 – 13. بتصرّف.
- سامية سعيد عمار، محاضرات مدخل إلى الأدب المقارن، صفحة 12. بتصرّف.
- “الملك لير”، جود ريدز، اطّلع عليه بتاريخ 29/10/2021.
- “مئة عام من العزلة”، جود ريدز، اطّلع عليه بتاريخ 29/10/2021.
- “الجريمة والعقاب”، جود ريدز، اطّلع عليه بتاريخ 29/10/2021.
- ماريوس فرنسوا غويار، الأدب المقارن، صفحة 1. بتصرّف.
- سوزان باسنيت، الأدب المقارن مقدمة نقدية، صفحة 1. بتصرّف.
- الطاهر أحمد مكي، في الأدب المقارن دراسات نظرية وتطبيقية، صفحة 1. بتصرّف.
- محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، صفحة 1. بتصرّف.