إسلاميات

تاريخ الأمم والملوك: تحفة تاريخية فريدة

مقدمة

يُعدّ كتاب “تاريخ الأمم والملوك” للإمام الطبري أحد أهمّ الكنوز التاريخية الإسلامية، فقد أظهر فيه براعةً فائقةً في جمع الأحداث التاريخية والتواريخ، ونقلها إلى القراء بطريقة منظمة ومُحكمة. سنتعرّف في هذا المقال على أهمّ جوانب هذا الكتاب، بدءًا من أهميته وتقسيمه ووصولاً إلى أسلوب الكتابة الذي اتّبعه الإمام الطبري.

الإمام الطبري: حياته وأعماله

وُلد الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في مدينة آمل بطبرستان، وحفظ القرآن الكريم في سنّ مبكرة لدرجة أنّه كان يؤمّ الناس في صلاتهم وهو في الثامنة من عمره. لقد تميّز الطبري بقدرات استثنائية في الحفظ والتعلم، فجمع بين العديد من العلوم وواظب على دراسة أدلّتها وشواهدها. كان تقيّاً وورعاً وُوصف بأنه واحد من أهمّ علماء وأئمة أهل السنة والجماعة. وقد ترك الطبري إرثاً ثريًا من المؤلفات منها أكبر كتابين وُضِعا في التفسير والتاريخ: “تفسير الطبري” المسمّى بـ “جامع البيان”، و”تاريخه” المسمّى “تاريخ الأمم والملوك” أو “تاريخ الرسل والملوك”. وهما مصدران أساسيان لدارسي التاريخ والفقه، وقد توفّي الطبري عن عمر يناهز الخمسة والثمانين عاماً.

أهمية كتاب تاريخ الأمم والملوك

يُعتبر كتاب “تاريخ الأمم والملوك” من أهمّ مصادر باحثي التاريخ الإسلامي. وذلك لكونه أكثر الأعمال العربية دقة ومنهجية في مجال التاريخ. وقد اتّبع الطبري منهجاً شاملاً في كتابته يشبه منهج علم الحديث، فبلغت الرواية فيه حداً كبيراً من الأمانة. ولم يقتصر الطبري على التاريخ منذ نشأة الإسلام بل اتجه إلى أبعد من ذلك فبدأ تاريخه منذ نشأة الخلق، مستعينًا في ذلك بكتابات المؤرخين الذين سبقوه كالبلاذري واليعقوبي والواقدي. وقد أصبح كتابه مرشداً للمؤرخين العرب بعده كابن خلدون وابن الأثير والمسعودي.

تقسيم الكتاب

يبدأ الطبري كتابه بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ يتحدث عن الأسباب التي دفعته إلى وضع هذا المؤلف كعادة المفكرين العرب في ذلك الزمان. ويبدأ القسم الأول من الكتاب بذكر أول الزمان والأدلّة التي تشير إلى حدوثه، ثمّ قصة الخلق إلى خلق آدم عليه السلام، ومن بعده ذكر الأنبياء والرسل مع التعّرض للحوادث التي وقعت في أزمانهم، ومقارنة تلك الحوادث من مصادرها المختلفة بما ورد في القرآن الكريم، وذكر أخبار الملوك الذين عاصروا أولئك الأنبياء والأمم حتى بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما القسم الثاني من الكتاب فيُعدّ القسم الإسلامي، ويبدأ بتاريخ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى عام ثلاثمئة واثنين للهجرة، وقد اعتمد على التقسيم السنوي، بذكر العام وأشهر أيامه وأهم الأحداث التي وقعت فيه. وقد استطاع الطبري أن يُجمع بين المواد المتفرقة بين كتب الحديث والتفاسير المختلفة والأدب والسير والمغازي، وعبر التنسيق بينها أوجد رواية تاريخية جديدة مُوثوقة من القارئ بالإضافة إلى العرض الشيق منه.

أسلوب الكتابة

لقد اعتمد الطبري في كتابه “تاريخ الأمم والملوك” على أسلوب المحدّثين، حيث كان يروي الأحداث التاريخية ويتبعها بالسند بطريقة العنعنة حتى تصل إلى الصحابة، ولا يُبدي رأيه في ما نقله مُقدِّماً صفة الموضوعية في كتابة التاريخ، وذلك في معظم أجزاء الكتاب.

خاتمة

إنّ كتاب “تاريخ الأمم والملوك” للإمام الطبري هو تحفة تاريخية فريدة تُقدم لنا صورة واضحة ومفصلة عن تاريخ الأمم منذ نشأة الخلق وحتى العصر الإسلامي الأول. لقد أثبت الطبري براعته في جمع المعلومات وتنظيمها وإبراز أهميتها لأجيال متعاقبة من الباحثين والمهتمين بالتاريخ.

بقلم
Debra Hernandez

Senior journalist with 9+ years covering science across the Middle East and beyond.