معنى قوله تعالى: “ولا تيأسوا من روح الله”
عندما عاد أبناء يعقوب -عليه السلام- إلى والدهم بعد فراق يوسف، وبعدها فقد أخيه الآخر، لم يفقد يعقوب الأمل برحمة الله. رغم كل الصعاب، بقي قلبه متعلقًا بالله وحده، ولم ينقطع رجاؤه. لقد كان يعلم أن الأمور كلها بيد الله، وأنه قادر على أن يغير الأحوال في طرفة عين، فتوجه إلى الله بالدعاء: (قالَ إِنَّما أَشكو بَثّي وَحُزني إِلَى اللَّـهِ وَأَعلَمُ مِنَ اللَّـهِ ما لا تَعلَمونَ).[١] ثم وجه أبناءه بالبحث عن يوسف وأخيه، وحذرهم من اليأس والقنوط من رحمة الله، فقال تعالى: (يا بَنِيَّ اذهَبوا فَتَحَسَّسوا مِن يوسُفَ وَأَخيهِ وَلا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ).[٢]
في تفسير قوله: (لا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّـهِ) يمكننا استخلاص المعاني التالية:
- رحمة الله وفرجه: أي لا تقنطوا من رحمة الله الواسعة وفرجه القريب.
- تنفيس الكرب: لا تيأسوا من أن يزيل الله همومكم وأحزانكم.
يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: (لا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّـهِ)؛ أي لا تقنطوا من أن يروِّح الله عنّا ما نحن فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرَجٍ من عنده، ولا تقنطوا فلعلّ الله يريني إياهما بعد كل هذه المدة.[٤]
ويقول القرطبي رحمه الله: في الشدة يرجو المؤمن فرج الله، ويقنط الكافر من ذلك.[٥]
ويذكر السعدي رحمه الله: الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، وأما اليأس فيوجب التثاقل والتباطؤ، وأول ما يرجونه العباد هو فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه.[٦]
إضاءات من آية “ولا تيأسوا من روح الله”
تحمل هذه الآية دروسًا عظيمة يمكن للمسلم أن يستفيد منها في حياته، ومنها:
- حسن الظن بالله: حتى في أصعب الظروف، يجب على المسلم أن يحسن الظن بالله، وأن يعلم أن الله قادر على كل شيء.
- التفاؤل: رغم كل الصعاب، يجب أن يكون المسلم متفائلاً، وأن يتوقع الخير من الله.
- مكانة الأبناء: تظهر الآية حب يعقوب الشديد ليوسف وأخيه، وكيف أنه لم ينسهما رغم طول الغياب.
- التوكل على الله: المؤمن يعلم أن الله هو ملجأه في كل وقت، وأنه القادر على أن يفرج كربه ويزيل همه.
- الأخذ بالأسباب: التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب، بل يجب على المسلم أن يسعى ويجتهد، وأن يبذل قصارى جهده لتحقيق ما يريد.
لمحات حول السياق القرآني لآية “ولا تيأسوا من روح الله”
قصة يوسف -عليه السلام- مليئة بالعبر والدروس، وتبين لنا كيف أن الصبر والتوكل على الله هما مفتاح الفرج. لقد عانى يعقوب -عليه السلام- من فراق ابنه يوسف، ثم فقد ابنه الآخر، ولكنه لم يفقد الأمل في رحمة الله. كان يعلم أن الله سيجمع شمله بأولاده، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين. لقد صبر يعقوب -عليه السلام- صبرًا جميلاً، ولم يشتك إلا إلى الله. وتوالت عليه المحن والابتلاءات، لكنه ظل صابرًا محتسبًا، يدعو الله ويتضرع إليه. وعندما اشتد القحط بالناس، أرسل أبناءه إلى مصر لجلب الطعام، وهناك التقى يوسف بأخيه، ثم كشف عن نفسه لإخوته، وأمرهم بالعودة إلى والدهم وإخباره بالحقيقة. وعندما عاد الإخوة إلى والدهم وألقوا بقميص يوسف على وجهه، ارتد إليه بصره، وفرح يعقوب -عليه السلام- فرحًا شديدًا، ثم ذهب الجميع إلى مصر، واستقبلهم يوسف استقبالاً حافلاً، ورفع أبويه على العرش، وتحققت رؤيا يوسف التي رآها في صغره.
لقد كانت رحلة يوسف -عليه السلام- مليئة بالصعاب والمحن، ولكنه صبر وثابر، حتى جعله الله عزيز مصر. لقد مر يوسف -عليه السلام- بتجارب قاسية، من البئر إلى السجن، ومن المحبة إلى التكذيب، ثم إلى التصديق والتكريم.
بشارات الآية الكريمة
تأتي الآية الكريمة لتبشر المؤمنين بأن بعد العسر يسرًا، وأن الله قادر على تغيير الأحوال وتبديلها من ضيق إلى سعة. فلا يأس من رحمة الله، ولا قنوط من فرجه. فالله الذي يملك خزائن السماوات والأرض قادر على أن يغير موازين الأمور وتبديل الحال من ضيق إلى سعة.
في هذه الأوقات الصعبة التي يمر بها المسلمون، يجب عليهم أن يتمسكوا بالأمل، وأن يثقوا في وعد الله، وأن يعلموا أن الله معهم ولن يخذلهم. يجب عليهم أن يفعلوا ما يستطيعون فعله، وأن يتوكلوا على الله في كل شيء. وعندها سيغير الله أحوالهم إلى الأفضل، وسيجعل لهم من كل ضيق مخرجًا.
الآية:(لا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّـهِ)؛تشدّ قواهم وتسندهم إلى ركنٍ شديد، ركن الله القادر على تغيير الأمور وتبديل الهمّ إلى فرجٍ، والعسر إلى يسرٍ، فقط عليهم فعل ما يستطيعون فعله.
المراجع
- سورة يوسف، آية:86
- سورة يوسف، آية:87
- “معنى روح الله”،المعاني
- “تفسير الطبري/ لا تيأسوا من روح الله”،مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود
- “تفسير القرطبي/ لا تيأسوا من رحمة الله”،مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود
- “تفسير السعدي/ لا تيأسوا من روح الله”،مشروع المصحف الإلكتروني
- “وقفات( يابني اذهبوا فتحسسوا….)”،تدارس القرآن الكريم








