المجتمع والأسرة

القوة المحركة: بين الواقع والوهم

المفاهيم الأساسية للقوة المحركة

يمتلك الإنسان طاقة ذات شقين، قوة محركة بناءة وقوة معطلة سلبية. تتفاوت نسبة كل منهما بين الأفراد. كل شخص يعمل على تطوير طاقته وتعبئتها بناءً على الأسس التي نشأ عليها. الإحساس بهذه الطاقة يتحقق من خلال الانسجام النفسي واحترام الذات، وذلك يعتمد على قدرة الفرد على التواصل مع ذاته الداخلية. كلما انغمس الإنسان في مسؤولياته اليومية وهموم الحياة، ابتعد عن ذاته الحقيقية. تُعتبر هذه الطاقة سرًا من أسرار الطبيعة البشرية، ويمكن ملاحظتها من خلال إدراك تصرفاتنا وسلوكياتنا وردود أفعالنا، أو من خلال التواصل الحقيقي مع أنفسنا.

أظهرت الدراسات والأبحاث التي أُجريت على مر العقود أن لكل فرد مجالًا من الطاقة وهالة تحيط به، ويمكنه الإحساس بها. تتمثل القوة المحركة في السلام والهدوء والمشاعر الإيجابية. يمكن تعزيز هذه الهالة وتنشيطها من خلال التفاعل الإيجابي مع الآخرين والتواصل الملهم معهم. هذا لا يساعد فقط على زيادة الطاقة الإيجابية، بل يمكنه أيضًا تقليل المشاعر السلبية وجعلها أكثر قابلية للسيطرة، مثل التوتر والقلق والغضب.

تُعرَّف القوة المحركة بأنها تحمل في طياتها معاني الحب والتفاؤل والإرادة. علميًا، هي التوازن الدماغي الذي يساهم في حل المشكلات، والحفاظ على الاستقرار، والتحلي بالعيش الهادئ الذي يسمح للإنسان بتجاوز ضغوط الحياة دون أن تسيطر عليه وتدمره. كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

أهمية تنمية القوة المحركة

يعتقد البعض أن القوة المحركة هي مجرد طاقة نفسية لا يمكن قياسها بالطرق التقليدية، وهذا ما يزيدها غموضًا وإثارة للاهتمام بالنسبة للمؤمنين بها. كما أن هذا الاعتقاد يمنحها جاذبية خاصة. الأمر المثير للاهتمام أيضًا هو أن هذه القوة تؤثر على الجوانب الجسدية والصحية للفرد. لذلك، يتجه العديد من الأشخاص والمستشفيات والمراكز الصحية إلى تبني الأساليب الإيجابية وتنميتها وتعزيزها لتكون بمثابة درع واقٍ في مواجهة الأمراض والضغوط.

ظهر في العصر الحديث علم متخصص يُعرف بعلم النفس الإيجابي. يقول الطبيب الألماني غيرالد هيوتر: “كل شفاء هو شفاء ذاتي، لا يمكن لشخص أن يجعل شخصًا آخر في صحة جيدة.” وهذا ينطبق بالطبع على الصحة النفسية. فالقوة المحركة قادرة على تحفيز الطاقات الكامنة، وتمكين النفس، وتعزيز القدرة على التحكم في مسار الحياة، والحفاظ على تدفق المشاعر بشكل متوازن. وكما ورد في الحديث الشريف: “تفاءلوا بالخير تجدوه”.

منبع القوة المحركة

العقل الباطن هو المصدر الرئيسي للأفكار والنظريات والمبادئ والمعتقدات، وهو المؤثر الأكبر على الظروف والأحوال المحيطة بالإنسان. كما أنه المؤثر الرئيسي في طريقة تفاعلنا مع الأحداث الخارجية. يحصل الإنسان على مشاعر إيجابية نتيجة لممارسة أنشطة تنبع من هذه الطاقة. على سبيل المثال، عندما يمارس الشخص نشاطًا جسديًا معينًا كالرياضة، يكافئه جسده بحالة من النشوة والراحة المدهشة وتفريغ للتوتر والضغط والمشاعر السلبية. وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

الأفهام غير الصحيحة للقوة المحركة

يمارس بعض الأشخاص سلوكيات خاطئة ينسبونها إلى القوة المحركة، مما يؤدي إلى تشويه مفهومها، ومن هذه السلوكيات الخاطئة:

  • إخفاء المشاعر الحقيقية وعدم التعبير عنها بصراحة.
  • رفض المشاعر السلبية ومحاولة الهروب منها بدلًا من التعامل معها.
  • إجبار النفس على الشعور بإيجابية مصطنعة غير حقيقية.
  • محاولة العيش بمستوى أعلى من الإمكانيات المتاحة، مما يسبب ضغطًا نفسيًا.
  • توبيخ الآخرين إذا عبروا عن إحباطهم أو خيبتهم، وإلزامهم بالإيجابية والتغاضي عن الألم.

هذا النوع من السلوكيات مضر لأنه يعتبر فرضًا لشعور على آخر ومحاولة لكتم الألم وتشجيعًا على الصمت الذي يحرق الداخل. عندما ينظر الشخص إلى شعوره المضطرب على أنه سلبي ومرفوض ويجب التخلص منه، يصبح شعوره هذا عائقًا أمام صدقه مع نفسه ودافعًا مؤذيًا للتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. من هذا المنطلق، تتحول الإيجابية إلى مفهوم سام بدلًا من كونها مفهومًا يدعو إلى السلام والراحة النفسية. فكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “أَظْهِرِ الْجَمِيلَ وَاسْتُرِ الْقَبِيحَ”.

المراجع

  1. “How to use positive energy to succeed”, inc.com.
  2. “A little science on positive energy”, Psychology today.com.
  3. “Toxic positivity: The dark side of positive vibes”, The psychology Group.
بقلم
لينا حريري

صحفي حائز على جوائز متخصص في الاقتصاد، 8 عاماً في الصحافة المطبوعة والرقمية.