القرآن الكريم: آخر الكتب السماوية

القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية، هو الكتاب الخاتم، الشامل، الحاكم على ما جاء في الكتب التي سبقته. يتضمن هذا المقال خصائص القرآن الكريم التي تميزه عن الكتب السماوية السابقة، بالإضافة إلى أهمية الإيمان بالكتب السماوية كلها.

جدول المحتويات

القرآن الكريم: آخر الكتب السماوية

القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية التي أنزلها الله -تعالى- على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-. إنه الكتاب الخاتم، الشامل، الحاكم على ما جاء في الكتب السماوية التي سبقته. يعتبر القرآن الكريم كتابًا محفوظًا من الله -تعالى- من التحريف والتبديل، كما أنه معجز بليغ فصيح في لفظه ومعناه، وفي احتوائه على أخبار الماضي والحاضر والمستقبل.

يشمل القرآن الكريم دعوة عامة للجن والإنس، وهذا ما يميزه عن الكتب السابقة التي كانت موجهة لجمهور معين، وأزمنة محددة. [١]

خصائص القرآن الكريم

يُعدّ الإيمان بجميع الكتب السماوية التي أنزلها الله -تعالى- ركنًا من أركان الإيمان. ويتميز القرآن الكريم عن هذه الكتب بكونه ناسخًا لها ومهيمناً عليها، ومتعبّد به لنزوله على الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعامّة الثّقليْن الإنس والجان.

يمكن تقسيم خصائص القرآن الكريم إلى قسمين رئيسيين:

الخصائص التي تميز القرآن عن الكتب السابقة

تفرّد القرآن الكريم ببعض الخصائص على سائر الكتب الأخرى، وتعتبر هذه الخصائص من أساسيات الإيمان بها. ومن أهم هذه الخصائص:

  • **عموم الدعوة:** تشمل شريعة القرآن الكريم ودعوته الثّقلين الإنس والجان، فيلزم عليهم الإيمان به، وعبادة الله بما شرع فيه. وتأكيدًا لذلك، يقول الله -تعالى- في سورة الفرقان: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، [٣]

    وتقول الآيات في سورة الجن: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا). [٤]

  • **السماحة واليُسر:** تتميز شريعة الإسلام التي جاء بها القرآن الكريم بعدم احتوائها على الأغلال والآصار التي فُرضت على أصحاب الشرائع السابقة. وذلك كما يقول الله -تعالى- في سورة الأعراف: (وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَالأَغلالَ الَّتي كانَت عَلَيْهِم). [٥]
  • **حفظ القرآن الكريم من الله -تعالى-:** تميز القرآن الكريم عن سائر الكتب السماوية الأخرى بتكفّل الله -تعالى- بحفظه بنفسه من أي تحريف في اللغة أو المعنى. وذلك كما جاء في سورة الحجر: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ). [٦]

    وبالإضافة إلى ذلك، تكفل الله -تعالى- بتفسيره وتوضيح ما أراده من خلال إلهام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بمعنى القرآن.

    ويسرد ابن كثير في تفسيره لآيات سورة القيامة: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ). [٧]

    وهيّأ الله -تعالى- العلماء الأكفاء لحفظه أيضًا من زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا. فقد حفظوه، وفهموه، وعملوا به، وألفوا في جميع المجالات التي تخدمه.

  • **الإعجاز اللغوي:** شارك القرآن الكريم الكتب السابقة ببعض وجوه الإعجاز، إلا أنه تميز بكونه المعجزة العظمى والخالدة والباقية. وقد تحدّى الله -تعالى- به الجنّ والإنس بأن يأتوا بمثله أو ببعضه، لكنّهم عجزوا ولم يستطيعوا، وقد مرّ هذا التحدي بثلاث مراحل:
    • التحدي بإحضار مثل القرآن الكريم كاملاً، كما جاء في سورة الطور: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ). [٩]
    • التحدي بإحضار عشر سورٍ مثل القرآن الكريم، كما جاء في سورة هود: (أَم يَقولونَ افتَراهُ قُل فَأتوا بِعَشرِ سُوَرٍ مِثلِهِ مُفتَرَياتٍ). [١٠]
    • التحدي بإحضار سورةٍ واحدةٍ مثل آيات القرآن الكريم، كما جاء في سورة يونس: (أَم يَقولونَ افتَراهُ قُل فَأتوا بِسورَةٍ مِثلِهِ). [١١]
  • **البيان:** يحتوي القرآن الكريم على كل أمرٍ يحتاج له الناس في معاشهم، ومعادهم، وفي دينهم ودنياهم. ويقول الله -تعالى- في سورة الأنعام: (ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ). [١٢]
  • **التيسير للذكر:** يسّر الله -تعالى- القرآن الكريم للتلاوة والقراءة، والتدبّر والتفكّر، ويسّره للاتّعاظ. وذلك كما يقول الله -تعالى- في سورة القمر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). [١٣]
  • **الاشتمال على أخبار وقصص الرسل والأمم السابقة:** تناول القرآن الكريم هذه القصص والأخبار بشيءٍ من التفصيل الذي لم يُسبق له في الكتب التي قبله. وذلك كما يقول الله -تعالى- في سورة هود: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أَنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ). [١٤]
  • **الشهادة على الكتب السابقة:** جاء القرآن الكريم خاتماً للكتب السابقة وآخرها نزولاً. ويقول الله -تعالى- في سورة آل عمران: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ* مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ). [١٥]
  • **الاشتمال على خلاصة تعاليم الكتب السابقة:** يُضمّن القرآن الكريم أصول شرائع الرّسل، وخلاصة تعاليم كتبهم. ويقول الله -تعالى- في سورة المائدة: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). [١٦]
  • **نسخ القرآن الكريم لجميع الكتب السابقة:** يجب على جميع الناس أن يعبدوا الله -تعالى- بما جاء في القرآن الكريم، ولا يُحلّوا إلا ما حلّل القرآن، ولا يُحَرِّموا إلا ما حرَّم. وذلك كما يقول الله -تعالى- في سورة آل عمران: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ). [١٨]

الخصائص العامة للقرآن الكريم

تختلف الإعتبارات التي قُسمت على أساسها خصائص القرآن الكريم. وتُشير هذه الخصائص إلى فضله، وبلاغته، وتفرّده، ومن أهمها:

  • **مكانته وشرفه:** ذكرت الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة مكانة القرآن الكريم. وإليك بعضها:
    • أنه كلام الله العظيم، والصراط المستقيم، وطريق النجاة.
    • أنه معجزة الرسول الخالدة، وحجته الدامغة، ودليل نبوّته، وطريق للسعادة في الدنيا والآخرة.
    • كتاب التشريع، وأساس التوحيد، والنور المبين للأمّة.
  • **شفاعة القرآن الكريم لأهله:** يشفع القرآن الكريم لأهله يوم القيامة. وذلك كما رواه أبو أمامه الباهلي -رضي الله عنه-:(اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ). [٢٠]
  • **شفاء القرآن الكريم:** ذكر الله -تعالى- القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة بأنه شفاء، وليس دواء. والسبب في ذلك هو أن الدواء قد يفيد وقد يضرّ، أما وصفه بالشفاء فهو تأكيدٌ لثمرة التدواي بالقرآن العظيم. ويقول الله -تعالى- في سورة الإسراء: (وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ). [٢١]

    وقد تداوى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته بالقرآن الكريم، وتداوى أصحابه به لا سيما في قصة اللّدغ الذي أصاب سيّد أحد أحياء العرب، فَرَقَوْه بسورة الفاتحة. والمستشفى بالقرآن الكريم يجب أن يوقن بأن الشفاء من الله -سبحانه-.

  • **تعبّد القارئ بتلاوة القرآن الكريم:** يحصل قارئ القرآن الكريم وسامعه على الثواب والأجر العظيم من الله -تعالى-.
  • **تعدد أسمائه وصفاته:** تعدّدت أسماء القرآن الكريم وكثُرت أوصافه، وتميَّز عن غيره من الكتب بنزوله منجّماً؛ أي متدرّجاً على مراحل.
  • **خصائص القرآن الكريم من حيث الأسلوب واللغة:**
    • **تيسير فهمه للعوام والمتخصّصين:** هذه الخاصية يعجز الفصحاء عن تحقيقها في كلامهم، فيُخاطبوا كل شخصٍ بحسب فهمه. أما القرآن الكريم فقد خاطب الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والعلماء والعامّة، والمُلوك والحاشية، بنفس الآيات دون تغيّرها، ومع ذلك وجد كل منهم فيه مطلبه، وحقّق مراده؛ ففهمه العامي وخشع له، وذاق حلاوته، ودمعت عيناه، وقرأ فيه العالم فأدرك فصاحته، وتجلَّت له علومه وأخباره، وأدرك بلاغته، فذعن لربه، وآمن بشرعه.
    • **تصوير المعاني:** امتاز القرآن الكريم بتجسيده للمعاني بحيث تصبح كالمادّة المحسوسة أو المُشاهَدة. ومن ذلك جعل الله -تعالى- اليوم كأنَّه شيءٌ له كثافة ووزن في قوله:(وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا). [٢٢]

الإيمان بالكتب السماوية

يُعتبر الإيمان بالكتب السماوية السابقة ركنًا من أركان الإيمان الستّة. يجب على المسلم الإيمان بها بالإجمال، أي الاعتراف بهذه الكتب بقلبه ولسانه، والإيمان بأنَّ منها ما فُقِد واندثر، ومنها ما حُرِّفَ وغُيِّر، وجميعها نُسخت بالقرآن الكريم.

ويجب على المسلم تجاه هذه الكتب أمران:

  • الإيمان بأسماء الكتب السابقة المذكورة في القرآن الكريم، وأسماء الأنبياء الذين أُنزلت عليهم، مثل: صحف إبراهيم-عليه السلام-، والزّبور الذي أُنزل على داود -عليه السلام-، والإنجيل الذي أُنزل على عيسى-عليه السلام-، والتوراة الذي أُنزل على موسى -عليه السلام-.
  • الإيمان بأنَّ لله -تعالى- كُتباً أنزلها على أنبيائه -عليهم السلام- لا يعرفها إلا هو. ويقول الله -تعالى- في سورة البقرة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ). [٢٤]

الأدلة على الإيمان بالكتب السماوية

جاءت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تدل على وجوب الإيمان بالكتب السماوية السابقة. ومن أهمها:

  • قوله -تعالى- في سورة النساء: (وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)، [٢٦] حيث تدل الآية الكريمة على وجوب الإيمان بكتب الله -تعالى- عامّة، والتصديق بما جاء فيها.
  • قوله -تعالى- في سورة البقرة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ). [٢٧]
  • قوله -صلى الله عليه وسلم- لجبريل-عليه السلام- عندما سأله: ما الإيمان؟ فقال:(أن تؤمنَ باللَّهِ، وملائِكتِه، وَكتبِه، ورسلِه، واليومِ الآخرِ، والقدرِ خيرِه وشرِّهِ). [٢٨]

المراجع

[1] محمد الحمد، قصة البشرية، صفحة 71. بتصرّف.
[2] مجموعة من المؤلفين،كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة(الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 144-149. بتصرّف.
[3] سورة الفرقان، آية: 1.
[4] سورة الجن، آية: 1-2.
[5] سورة الأعراف، آية: 157.
[6] سورة الحجر، آية: 9.
[7] سورة القيامة، آية: 17-19.
[8] رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 4981، صحيح.
[9] سورة الطور، آية: 34.
[10] سورة هود، آية: 13.
[11] سورة يونس، آية: 38.
[12] سورة الأنعام، آية: 38.
[13] سورة القمر، آية: 17.
[14] سورة هود، آية: 120.
[15] سورة آل عمران، آية: 3-4.
[16] سورة المائدة، آية: 48.
[17] سيد سابق،العقائد الإسلامية، بيروت: دار الكتاب العربي، صفحة 163-164. بتصرّف.
[18] سورة آل عمران، آية: 85.
[19] بثفهد الرومي (2003)،دراسات في علوم القرآن الكريم(الطبعة الثانية عشر)، صفحة 58-65. بتصرّف.
[20] رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، الصفحة أو الرقم: 804، صحيح.
[21] سورة الإسراء، آية: 82.
[22] سورة الإنسان، آية: 27.
[23] مجموعة من المؤلفين،مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، صفحة 82، جزء 42. بتصرّف.
[24] سورة البقرة، آية: 213.
[25] جامعة المدينة العالمية،أصول الدعوة وطرقها، صفحة 100. بتصرّف.
[26] سورة النساء، آية: 136.
[27] سورة البقرة، آية: 285.
[28] رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 2610، صحيح.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

الخلافة العباسية: من الغرور إلى السقوط

المقال التالي

آخر بناء للكعبة

مقالات مشابهة