فهم القضاء المبرم والقضاء المعلق
في العقيدة الإسلامية، يُعتقد أن كل شيء يحدث وفقًا لمشيئة الله، وأن كل حدث يحدث بسبب “القضاء والقدر”. يُقسم القضاء إلى نوعين رئيسيين: القضاء المبرم والقضاء المعلق. لفهم الفرق بينهما، سنستعرض كل نوع على حدة.
القضاء المبرم: القدر المُطلق
يُعرف القضاء المبرم أيضًا باسم “القضاء المطلق”. وهو القضاء الذي تم تحديده مُسبقًا في علم الله عز وجل قبل خلق الكون، ولا يُمكن تغييره أو تأخيره. قال الله تعالى:
“وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا”.[١][٢]
يشير هذا إلى أن الله قد حدد أجل كل إنسان منذ الأزل، ولن يتم تأخير موته أو تقديمه مهما حدث.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة:
“قدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شيئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شيئًا عن حِلِّهِ”.[٣]
يعني ذلك أن الله قد حدد الأجال والأرزاق، ولن تُغير هذه الأشياء بفعل الإنسان.
وضح الإمام النووي -رحمه الله- أن الأوقات والأعمار والأرزاق مُحددة ومقدرة، ولا تتبدل عن ما حدده الله، ولا يمكن زيادة أو نقصان هذه الأشياء.
القضاء المعلق: القدر المُؤثر
القضاء المعلق هو القدر المرتبط بعمل الملائكة الموكّلين بالمهام الإلهية. هذا النوع من القضاء قابل للتغيير، ويمكن أن يزيد أو ينقص، يُثبت أو يُزال.
مثال ذلك: إذا أمر الله ملائكة الموت بأخذ روح شخص بعمر خمسين عامًا، ويزور هذا الشخص أقاربه ويُحسن إليهم، فيُمكن أن يُزيد الله في عمره ثلاثين عامًا.
في علم الله الأزلي، كان مُقدرًا أن يُصبح عمر الشخص خمسين عامًا، ولكن بسبب فعل الخير، تم تغيير ذلك، وكتب الله عمره ثمانين عامًا. يبقى هذا الأمر ثابتًا في علم الله، ولكنه مُغير في صحف الملائكة.
قال الله تعالى:
“يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ”.[٤]
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلة رحمه سيُطيل الله عمره ويؤخر أجله.
هذا يعني أن القضاء المعلق مرتبط بأعمالنا، ولكنه يُبقى تحت إرادة الله، حيث يُمكنه تغييره أو تثبيته حسب مشيئته.
تأثير الدعاء على القضاء المبرم
قد نعتقد أن الدعاء لا يُؤثر على القضاء المبرم، ولكن الواقع هو أن الدعاء يُعد من أقوى أسباب رفع البلاء ودفعه.
يُمكن أن يواجه الدعاء الصاعد القضاء المبرم النازل، ويتدافعان حتى يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
روت عائشة رضي الله عنها حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين فيه أن القدر واقع ولا محالة، وأن الدعاء يحمي من البلاء.
يُمكن أن يُؤثر الدعاء بشكل كبير على القضاء المبرم. لا يُزيل القضاء المبرم بالكامل، ولكنه يُمكن أن يُخفف من تأثيره، أو يُؤخر وقوعه، أو يُحول البلاء من شخص لآخر.
أسباب دفع البلاء قبل وقوعه
هناك بعض الأمور التي يُمكن أن تُساعد في دفع البلاء قبل وقوعه، منها:
- الشكر: الشكر لله على نعمه، وإن كانت صغيرة، هو سبيل لزيادة النعم ورد البلاء. قال الله تعالى:
“لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ”.[٨] - التقوى: التقوى هي طريق كل خير في الدنيا والآخرة، وتُعد مفتاحًا لكل فرحة ومغلاقًا لكل سوء. هي سبب لدفع البلاء، فلا تأتي النقم إلا بسبب الغفلة أو الإخلال بالتقوى.
- العبادة: الإكثار من العبادات، وحفظ الأوامر والفروض، وترك المعاصي طريق لرد البلاء، واكتساب الخير والفرح.
- الامتناع عن التعرض لأولياء الله: من يُتعرض لأولياء الله بالاعتداء، فإنه سيتعرض للبلاء. ولّي الله محمي من عدوه، لأن الله معه، وهو يُرشده ويهديه.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عدم التناصح والتناهي عن المنكرات وعدم التواصي بالحق سبب في وقوع البلايا. يُمكن رد ورفع البلاء إذا قام المصلحون بواجبهم نحو الدين.
- صلة الرحم: صلّة الرحم سبب قوي في دفع البلاء، وتُؤدي إلى بركة العمر والمال والأهل والبدن.
- الاستعاذة واللجوء والتوكل على الله: اللجوء والتوكل على الله يُؤدي إلى دخول دائرة ولاية الله، وهي سبب في دفع البلاء.
يُمكن أن نُلخص ما سبق بالقول إن القضاء المبرم هو ما هو مُقدرٌ من الله ولا يُمكن تغييره، بينما القضاء المعلق هو القدر المُؤثر المُرتبط بأعمالنا. يُمكن للدّعاء أن يُؤثر على القضاء المبرم، ويمكن أن يُساعد بعض الأسباب في دفع البلاء قبل وقوعه.
على الإنسان أن يُدرك قدر الله، ويُؤمن بمشيئته، ويُؤمن أن كل شيء بقدره. يجب أن نُحسن أعمالنا ونُكثر من الطاعات ونُحافظ على صلة رحمنا، ونطلب عفو الله ودفعه عن البلاء.
المراجع
- سورة المنافقون، آية:11
- مجموعة مؤلفين، كتاب فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 2507. بتصرّف.
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:2663 ، صحيح.
- سورة الرعد، آية:39
- ابن شاهين، كتاب الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك لابن شاهين، صفحة 57. بتصرّف.
- ماهر بن عبد الحميد بن مقدم، شرح الدعاء من الكتاب والسنة، صفحة 24-25. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين، كتاب مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 172-195. بتصرّف.
- سورة ابراهيم، آية:7