السكري في الإمارات: تحدي وطني يتطلب استجابة شاملة

السكري في الإمارات يمثل قضية وطنية ملحة، تتزايد أرقامه ومضاعفاته. اكتشف الأسباب، التكاليف، والجهود الوطنية لمكافحة هذا التحدي الصحي الكبير.

يُعد مرض السكري في الإمارات العربية المتحدة تحديًا صحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا كبيرًا، لا يؤثر فقط على صحة الأفراد، بل يفرض أيضًا عبئًا ثقيلاً على نظام الرعاية الصحية والتنمية الوطنية. على الرغم من الجهود المبذولة، لا تزال أرقام انتشار السكري ومقدماته مرتفعة، مما يستدعي استجابة وطنية شاملة وفعّالة.

في هذا المقال، نتعمق في واقع السكري في الإمارات، نستكشف أسبابه الجذرية، ونسلط الضوء على مضاعفاته الخطيرة، ونستعرض الجهود المبذولة لمواجهة هذا التحدي الوطني.

جدول المحتويات

واقع السكري في الإمارات: أرقام مقلقة

يُشكل مرض السكري تحديًا صحيًا عالميًا، وتتفاقم هذه المشكلة بشكل خاص في دول مجلس التعاون الخليجي مثل الإمارات، المملكة العربية السعودية، والكويت. تشير الإحصاءات إلى أن الوضع في الإمارات لا يزال يتطلب اهتمامًا جادًا.

انتشار السكري ومقدماته

تكشف الأرقام عن معدلات مقلقة لانتشار السكري في الإمارات. على سبيل المثال، تصل نسبة الإصابة بالسكري في إمارة أبوظبي إلى 8%. الأدهى من ذلك هو نسبة الاستعداد للإصابة بالسكري أو ما يُعرف بـ”مقدمات السكري”، والتي تبلغ 27% على مستوى الإمارات.

بشكل عام، احتلت الإمارات في عام 2013 مراكز متقدمة عالميًا في نسبة الإصابة بالسكري، حيث وصلت إلى 19% بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 79 عامًا. يتوقع خبراء الصحة أن تستمر هذه النسبة في الارتفاع لتصل إلى 21.4% بحلول عام 2030، ما يؤكد الحاجة الملحة للتدخل.

التكاليف الباهظة للسكري على المجتمع

بالإضافة إلى العواقب الصحية الخطيرة، يُعد السكري مرضًا باهظ التكاليف. تُقدر تكلفة علاج الفرد المصاب بالسكري بما يصل إلى 6000 دولار أمريكي سنويًا. تُشكل هذه التكاليف عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على الأفراد والعائلات، وكذلك على ميزانية الرعاية الصحية للدولة.

في الواقع، يُعد متوسط تكلفة علاج الفرد الواحد في الإمارات والخليج، مقارنة بالناتج القومي الإجمالي، من الأعلى عالميًا. هذا يشير إلى أن السكري لا يؤثر فقط على صحة الأفراد، بل يعيق أيضًا التنمية البشرية ويستنزف الموارد الاقتصادية.

الأسباب الجذرية لارتفاع السكري في الإمارات

تتعدد العوامل التي تساهم في تفاقم مشكلة السكري في الإمارات والمنطقة. تنبع هذه المشكلة أساسًا من مجموعة من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.

تأثير نمط الحياة العصري والتغذية

أدت التطورات الاقتصادية والتحضر المتسارع في الإمارات إلى تغييرات دراماتيكية في أنماط التغذية خلال العقود الأربعة الماضية. شهد المجتمع تحولاً من استهلاك طبيعي للأطعمة التقليدية مثل التمور، الخضروات والفواكه الطازجة، الحليب، الأسماك، وخبز القمح الكامل، إلى نظام غذائي يغلب عليه الدهون المشبعة، الكربوهيدرات المكررة، ونسبة قليلة جدًا من الألياف الغذائية.

تُظهر الإحصائيات ارتفاعًا ملحوظًا في كمية السعرات الحرارية اليومية للشخص في معظم الدول العربية، خاصة في الخليج، منذ عام 1990 وحتى الآن. في الإمارات على سبيل المثال، يزداد استهلاك الطعام مع التطور الاجتماعي، ولكن يتزايد معه استهلاك الأرز واللحوم بشكل كبير، بينما تتناقص نسبة استهلاك الخضروات الطازجة بشكل ملحوظ، وقد تكاد تنعدم في بعض الحالات.

السمنة: المحرك الأساسي للمشكلة

تُعد السمنة الزائدة المحرك الرئيسي لانتشار السكري في الإمارات والخليج. تبدأ هذه المشكلة للأسف في أجيال صغيرة جدًا، نتيجة لنمط الحياة الاستهلاكي، نوعية الطعام غير الصحي، وقلة النشاط البدني والخمول. يُساهم في ذلك أحيانًا عدم تشجيع الأهل لأبنائهم على اتباع نمط حياة صحي.

لقد تجاوزت نسبة المصابين بالسمنة 50% من السكان في الإمارات ودول الخليج العربي. تزيد السمنة عند الأطفال بشكل خاص من فرصة الإصابة بالسكري من النوع الثاني في سن مبكرة، مما يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تبدأ في الطفولة وتستمر في الكبر.

من المعطيات الصادمة أن احتمالية الإصابة بالسكري تصل إلى 85% بعد عمر 45 عامًا في دول الخليج، مما يؤكد العلاقة الوثيقة بين السمنة والسكري.

مضاعفات السكري: مخاطر صحية واقتصادية

إذا لم يُتحكم في مرض السكري بشكل فعال، فإنه يؤدي إلى مجموعة واسعة من المضاعفات الخطيرة التي تؤثر على جودة حياة المصابين وتزيد من العبء على أنظمة الرعاية الصحية.

المخاطر الصحية المباشرة وطويلة الأمد

تسبب مستويات السكر غير المنضبطة في الدم تلفًا للأوعية الدموية والأعصاب في جميع أنحاء الجسم. تشمل المضاعفات الشائعة للسكري تقرحات القدم، التي قد تؤدي إلى بتر الأطراف، وضعف البصر أو العمى التام، وأمراض الكلى المزمنة التي قد تتطلب غسيل الكلى أو زرع الكلى.

علاوة على ذلك، يزيد السكري بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية مثل الجلطات الدماغية، والنوبات القلبية، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى الوفاة. تشير بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2012 إلى أن معدل الوفيات جراء السكري في الإمارات العربية المتحدة بلغ 37 حالة لكل مئة ألف شخص، ما يوضح حجم المشكلة.

من المهم الإشارة إلى أن هذه المضاعفات قد تبدأ في الظهور حتى في مرحلة الطفولة، حيث يمكن أن يؤدي السكري إلى ضعف الأسنان وتكسرها، وعدم القدرة على الإنجاب مستقبلاً، وحتى الجلطات الدماغية في سن مبكرة.

العبء الاقتصادي على الأفراد والدولة

لا تقتصر آثار مضاعفات السكري على الجانب الصحي فقط، بل تمتد لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية واسعة. يتطلب علاج المضاعفات المتطورة رعاية طبية مكثفة ومكلفة، مما يزيد من الأعباء المالية على الأفراد والدولة على حد سواء.

تؤثر هذه المضاعفات أيضًا على الإنتاجية الفردية والوطنية، حيث يتغيب المرضى عن العمل بسبب مواعيد العلاج أو الإعاقات الناتجة عن المرض، مما يقلل من القوى العاملة ويؤثر سلبًا على الاقتصاد العام. إن مكافحة السكري ليست مجرد مسألة صحية، بل هي استثمار في مستقبل الأمة ورفاهيتها.

جهود وطنية لمواجهة السكري في الإمارات

إدراكًا منها لخطورة مشكلة السكري، كثفت دولة الإمارات العربية المتحدة والمجتمع المدني جهودهما لمكافحة المرض والحد من انتشاره. تركز هذه الجهود على الوقاية، التوعية، وتحسين جودة الرعاية المقدمة للمصابين.

دور جمعية الإمارات للسكري

تُعد جمعية الإمارات للسكري، التي تأسست كجمعية خيرية تطوعية عامة، من أهم الكيانات التي تعمل على مواجهة هذا التحدي. تهدف الجمعية إلى مكافحة مرض السكري من خلال شقين رئيسيين: الوقاية من الإصابة بالمرض، ورفع مستوى العناية الصحية والتثقيف المقدم لمرضى السكري.

تلتزم الجمعية بتحقيق أهدافها عبر مجموعة متنوعة من الأساليب والوسائل، مما يعكس التزامًا شاملاً تجاه القضية.

استراتيجيات الوقاية والتوعية

تتبع جمعية الإمارات للسكري وشركاؤها استراتيجيات متعددة لنشر الوعي وتقديم الدعم. تشمل هذه الاستراتيجيات تنظيم ندوات شهرية وورش عمل في جميع أنحاء الإمارات، تستهدف الجمهور العام والمختصين على حد سواء.

كما تستخدم الجمعية وسائل إعلامية متنوعة مثل المطبوعات والمواد السمعية والمرئية لضمان وصول رسالتها إلى أوسع شريحة ممكنة من المجتمع. تُنظم أيضًا مسيرات خيرية سنوية وحملات توعية مكثفة، بالإضافة إلى إقامة مخيمات تثقيفية تصل إلى مختلف إمارات الدولة، بهدف تعزيز أنماط الحياة الصحية والتشخيص المبكر والتحكم الفعال بالمرض.

من المفترض أن يشتمل أي برنامج لمكافحة السكري، سواء كان شخصيًا أو عامًا، على ممارسة الرياضة بانتظام، خفض الوزن الزائد، وحضور البرامج التوعوية. إضافة إلى ذلك، من الضروري التحكم في نسبة الكوليسترول وضغط الدم لتجنب مضاعفات السكري، خاصة وأن نسبة السكري تضاعفت بنحو 30% في العقد الأخير.

تُؤكد هذه الجهود أهمية التعاون بين القطاع الحكومي، والمؤسسات المدنية، والأفراد لمواجهة مرض السكري في الإمارات، وتحويله من قضية وطنية إلى قصة نجاح في مجال الصحة العامة.

الخلاصة:

يُعد مرض السكري في الإمارات العربية المتحدة تحديًا صحيًا وطنيًا متعدد الأوجه يتطلب تكاتف الجهود. مع ارتفاع معدلات الانتشار والتكاليف الباهظة، من الضروري تعزيز الوعي، تغيير أنماط الحياة، ودعم المبادرات الوطنية لمكافحة هذا المرض. من خلال العمل الجماعي، يمكننا أن نخطو خطوات واسعة نحو مجتمع إماراتي أكثر صحة ورفاهية.

Total
0
Shares
المقال السابق

اكتشف أكثر انواع السرطانات شيوعاً بين رجال الإمارات: حقائق وإحصائيات

المقال التالي

حان الوقت لمواجهة الكولسترول في الأردن: دليلك الشامل لصحة قلب أفضل

مقالات مشابهة