إسلاميات

الحكمة في الاعتدال: شرح حديث “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما”

جدوى الاعتدال في المشاعر: شرح حديث “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما”

يُنصحنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث شريف بالاعتدال في مشاعرنا تجاه الآخرين، سواء كانت تلك المشاعر حبًا أو بغضًا. لقد قال -صلى الله عليه وسلم- : “أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا ما عسى أن يكونَ حَبِيبَكَ يومًا ما”.[١][٢]

هذا الحديث العظيم يوجهنا إلى مبدأ إسلامي هام وهو التوسط والاعتدال في جميع شؤون حياتنا، بما في ذلك مشاعرنا.

فهم الحديث

لفهم معنى هذا الحديث بشكل دقيق، نحتاج إلى التفكر في بعض جوانبه:

  1. أمر الإرشاد وليس الوجوب: حينما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- “أحبب” فإنه يوجهنا نحو سلوك معين، لكنه ليس أمرًا واجبًا يتطلب عقوبة على تركه. إنه أمرٌ إرشاديٌ نُرشَدُ به إلى أسلوب حياة أفضل. [٣]
  2. حبٌّ “هونًا”: المقصود هنا هو حبٌّ معتدل، ليس مُفرطًا أو مُبالغًا فيه، حبٌّ طبيعي لا نُرهق أنفسنا به. [٤]
  3. “ما”: تُشير هذه الكلمة إلى عدم تحديد مقدار محبتنا أو بغضنا لأحد، أي أن تكون المشاعر مُبهمة نوعًا ما، بعيدة عن التطرف. [٤]
  4. “عسى”: وهي كلمة تدل على احتمال حدوث تغير في مشاعرنا تجاه من نحب أو نكره.

معنى الحديث:

يشرح لنا الحديث الشريف حكمة الاعتدال في مشاعرنا، فقد نصبح مهووسين بأحد الأشخاص ونُفرط في حبّه، ثم نتغير بعد فترة ونشعر بالندم على ذلك.

كما أننا قد نكره شخصًا بشدة دون سبب معقول، ثمّ نُغيّر رأينا لاحقًا ونندم على ذلك.

لذا، يوجهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى طريق الاعتدال في مشاعرنا لنتجنّب الندم والتغيرات المفاجئة.

أهمية الاعتدال في المحبة

يُحكم الإسلام على مشاعر المحبة، ويُعرّفها بأنها رغبةٌ في شيءٍ معينٍ، الميل إلى هذا الشيء، والاهتمام به. [٦]

المحبة من أهم المشاعر التي خلقها الله في نفوسنا، وهي ليست ممنوعةً في الإسلام، لكن يجب توجيهها للأشياء الصحيحة والمُباحة.

أولاً: يجب أن تكون محبتنا لله تعالى هي أساس جميع مشاعرنا، فبدون حبّه لا ينضج إيماننا.

ثانيًا: محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُلزمةٌ للجميع، فلا نستطيع أن ندعي الإيمان دون أن نحبّه.

ثالثًا: نُشجع على محبة العلماء والأولياء والصالحين بسبب معرفتهم وإخلاصهم لله.

رابعًا: يُحكم على المحبة بين المسلمين بأنها أحد أهمّ الأعمال التي تُقربنا من الله.

ولكن تُحذرنا القرآن و السنة من المبالغة في حبّ الأشياء الدنيوية، حتى لا تُشغلنا عن حبّ الله ورسولـه.

أهمية الاعتدال في البغض

البغض هو شعورٌ برفض شيءٍ معينٍ ودفع النفس عن الاقتراب منه. [٨]

لا نستطيع أن نُسيطر على مشاعرنا تمامًا، فالبغض قد يكون شعورًا لا إراديًا ، لكن يجب أن نكون حذرين من الأشياء التي تُثير البغض في نفوسنا.

يُفرق الإسلام بين نوعين من البغض:

  • البغض المُباح: كره المعاصي والمنكرات ، وكره الكفار والعصاة .
  • البغض المُذموم: كره المسلمين لبعضهم البعض دون سبب واضح ، و الحقد عليه.

إنّ البغض المذموم ينمّ عن سوء أخلاق الشخص و خبث نفسه ، وهو كفيل بتدمير العلاقات الاجتماعية.

الخلاصة:

يُوجهنا الحديث الشريف إلى التوسط و الاعتدال في مشاعرنا ، فلا يُمكن أن ندّعي أنّ إيماننا كاملاً إن كنا مُفرطين في حبّنا لبعضنا البعض ، أو مُفرطين في بغضنا لأشخاصٍ آخرين.

يجب أن نُحافظ على مشاعر محبّة خالصة للّه ، و محبة لرسوله -صلى الله عليه وسلّم- ، ومحبة لجميع المسلمين من أجل الله.

و يجب أن نُكره الخطايا و المعاصي ، و نُكره الظلم و الفساد ، ونُكره كل ما يهدد ديننا و أخلاقنا و مجتمعنا.

الاعتدال هو طريق النجاح في هذه الحياة ، ف بتوسطنا في مشاعرنا و أفعالنا ، نُصلح أحوالنا و نُقرب أنفسنا من الله.

المراجع

  1. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1997، غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه والصحيح عن علي موقوفا.
  2. مجموعة من المؤلفين،مجلة البيان، صفحة 7. بتصرّف.
  3. أحمد البربير،الفصيحة العجما في الكلام على حديث أحبب حبيبك هونا ما، صفحة 34-35. بتصرّف.
  4. أحمد الميداني،مجمع الأمثال، صفحة 209. بتصرّف.
  5. جلال الدين السيوطي،قوت المغتذي على جامع الترمذي، صفحة 477. بتصرّف.
  6. مجموعة من المؤلفين،الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 186-189. بتصرّف.
  7. أحمد حطيبة،شرح رياض الصالحين، صفحة 3. بتصرّف.
  8. مجموعة من المؤلفين،نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، صفحة 4073. بتصرّف.
  9. مجموعة من المؤلفين،الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 229-230. بتصرّف.
  10. مجموعة من المؤلفين،نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، صفحة 4083. بتصرّف.
بقلم
Diane Lee

Contributor covering science, culture, and current affairs. Based in the MENA region.