أقوال الإمام الشافعي: لؤلؤ حكيم

اكتشف مجموعة من أقوال الإمام الشافعي، عالم الفقه والشعر، التي تحمل الحكمة والجمال. تعلم من خلالها دروسًا قيمة في الحياة والحكمة.

مقتطفات من حكمة الإمام الشافعي

الإمام الشافعي، عالم الفقه والشعر، ترك إرثًا غنيًا من الأقوال والحكم التي تُلهمنا وتُرشدنا في حياتنا. في هذا المقال، نستكشف مجموعة من أقواله التي تُبرز ذكاءه، حنكته، وفهمًا عميقًا لحياة البشر.

إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفًا

“إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّف
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحة ٌ
وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفاف
مَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ
وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة ً
فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا
ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ
ويلقاهُ من بعدِ المودَّة ِ بالجفاوَ
يُنْكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
سلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَاصَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفَ
“.

هذه الكلمات تُبرز حكمة الشافعي في التعامل مع العلاقات الإنسانية. فالحب الحقيقي يأتى بِطَبْعِهِ، وُدُّهُ بِصِدْقِهِ، وَإِخلاصُهُ بِوُضُوحِهِ. ولا قيمة لمن يزيف المشاعر وَلا لِمَنْ يُظْهِرُ الودّ وَخَلْفَ ذلكَ الخداع وَالْمَكْرُ. فمن يفعلُ ذلكَ، فَسَلَامٌ عَلَيْهِ، وَانْتَهَى الْأَمْرُ.

شَكوتُ إلى وَكيعٍ سوء حفظي

“شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِ
فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ
ونورُ الله لا يهدى لعاصي”.

يحثنا الشافعي على اتباع طريق الاستقامة والبعد عن المعاصي لتحقيق النجاح في طلب العلم. فهو يؤكد أن العلم نُورٌ، وَلا يُنَوّر قلبًا عاصيًا. فبِتَرْكِ الذنوب وَالتَّقَرّبِ إِلَى اللّه تُنَوّر القلوبُ وَتَفْتَحُ أبوابُ العلمِ وَالْحِكْمَةِ.

إِذا هبَّت رِياحك فَاغتنِمها

“إِذا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاغْتَنِمْها
فَعُقْبَى كُلِّ خافِقَةٍ سُكُوْنُ
ولا تغفل عن الإحسان فيها
فلا تدري السكونُ متى يكونُ”.

لا تدع الفرص وَالْأَوْقَاتِ الْمُوَافِقَةِ تَفُوتُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيكَ، فَالْحَيَاةُ مُتَغَيّرَةٌ، وَالْأَحْدَاثُ تَتَسَارَعُ. فَاعْمَلْ عَلَى اسْتِغْلَالِ الْفُرَصِ وَالْحِرَصِ عَلَى الْأَحْسَانِ في كُلِّ وَقْتٍ لِتَحْصُلَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْفَائِدَةِ.

دع الأيَّام تفعل ما تشاءُ

“دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَل مَا تَشَاءُ
وطب نفساً إذا حكمَ القضاءُ
وَلا تَجْزَعْ لنازلة اللياليف
ما لحوادثِ الدنيا بقاءُ
وكنْ رجلاً على الأهوالِ جلداً
وشيمتكَ السماحة والوفاءُ
وإنْ كثرتْ عيوبكَ في البرايا
وسَركَ أَنْ يَكُونَ لَها غِطَاءُ
تَسَتَّرْ بِالسَّخَاء فَكُلُّ عَيْب
يغطيه كما قيلَ السَّخاءُ
ولا تر للأعادي قط ذلاف
إن شماتة الأعدا بلاء
ولا ترجُ السماحة ََ من بخيلٍ
فَما فِي النَّارِ لِلظْمآنِ مَاءُ
وَرِزْقُكَ لَيْسَ يُنْقِصُهُ التَأَنِّي
وليسَ يزيدُ في الرزقِ العناءُ
وَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرورٌ
ولا بؤسٌ عليكَ ولا رخاءُ
وَمَنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ الْمَنَايَاف
لا أرضٌ تقيهِ ولا سماءُ
وأرضُ الله واسعة ً ولكن
إذا نزلَ القضا ضاقَ الفضاءُ
دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرُ كُلَّ حِينٍ
فما يغني عن الموت الدواءُ”.

في هذه الأبيات الشعرية يرسم الشافعي صورة جميلة عن الاستسلام للقدر وَالْتَصَرّفِ بِحِكْمَةٍ وَصَبْرٍ فِي مُواجهَةِ مُتَقَلّبَاتِ الْحَيَاةِ. يُشَدّدُ عَلَى الْحِرَصِ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ، وَالتَغَلّبِ عَلَى الْأَهْوَالِ بِالْشّجَاعَةِ وَالْصّبْرِ. فَالْحَيَاةُ مُتَغَيّرَةٌ، وَالْأَيّامُ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ، فَتَوَكّلْ عَلَى الله وَاصْبِرْ عَلَى مُتَقَلّبَاتِهَا. وَلا تَنسَ أَنَّ الْحُزْنَ وَالسّعَادَةَ مَا هِيَ إِلاّ أَحْدَاثٌ فَانِيَةٌ. فَتَصَرّفْ بِحِكْمَةٍ وَوُجُودٍ في كُلّ ظّروفِ الْحَيَاةِ.

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ

“ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ
مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ
وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ
والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست
السَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصبو
الشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة ً
لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ
والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى ً في أَمَاكِنِهِ
والعودُ في أرضه نوعً من الحطب
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ
وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ”.

يُحثّنا الشّافعي في هذه الكلمات على التّغَيّر وَالْانْتِقَالِ مِنْ الْوَقْتِ إِلَى الْآخَرِ، وَالْحِرَصِ عَلَى الْكَدّ وَالْنّشَاطِ فِي الْحَيَاةِ. فَالْقِعَادَةُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ تُؤَدّي إِلَى الْكَسَلِ وَالْفَسَادِ. وَالْسّفَرُ وَالْانْتِقَالُ يُؤَدّيانِ إِلَى التّطوّرِ وَالْإِشْتِعَالِ بِرُوحِ الْحَيَاةِ. فَالْانْسَانُ كَالْمَاءِ يُفسَدُ بِالْوُقُوفِ، وَكَالْأَسَدِ يُصبحُ عَاجِزاً عنِ الْصّيْدِ بِالْقِعَادَةِ. فَتَغَيّرْ وَاسْعَ لِتَحْقِقَ الْنّجَاحِ وَتَتَطوّر فِي الْحَيَاةِ.

اصبر على مرّ الجفا من معلم

“اصبر على مرِّ الجفا من معلمٍ
فإنَّ رسوبَ العلمِ في نفراتهِ
ومنْ لم يذق مرَّ التعلمِ ساعة ً
تجرَّعَ نلَّ الجهل طولَ حياته
ومن فاتهُ التَّعليمُ وقتَ شبابهِ
فكبِّر عليه أربعاً لوفاته
وَذَاتُ الْفَتَى ـ واللَّهِ ـ بالْعِلْمِ وَالتُّقَى
إذا لم يكونا لا اعتبار لذاتهِ

يُعَلّمُنا الشّافعي بِأَنّ طريقَ الْعِلْمِ لا يَخْلُو مِنَ الْمُشَاقَّةِ وَالْجَفَاءِ مِنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ. فَاصْبِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَتَذَوّقْ مُرّ التّعَلّمِ لِتَحْصُلَ عَلَى عِلْمٍ مُفيدٍ وَتُسْتَفِيدَ مِنْ حَيَاتِكَ. فَالْجَهْلُ مُرٌّ أَكْثَرَ مِنْ مُرِّ التّعَلّمِ. فَانْسِبْ وَاعْمَلْ وَاتّقِ اللّه لِتَحْصُلَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْفَائِدَةِ.

تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالماً

“تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالماً
وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
إنَّ كَبِير الْقَوْمِ لاَ علْمَ عِنْدَهُ
صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ
وإنَّ صَغيرَ القَومِ إنْ كانَ عَالِماً
كَبيرٌ إذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ المحَافِلُ”.

يُؤكّدُ الشّافعي عَلَى أَنّ الْعِلْمَ لا يَأْتِي بِالْوِرَاثَةِ، وَإِنّمَا يُحْصَلُ بِالْكَدِّ وَالتّعَلّمِ. فَلا يَتَكَبّرْ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنّ هُوَ كَبيرٌ وَلا يَسْتَصْغِرْ نَفْسَهُ بِأَنّ هُوَ صَغيرٌ. فَالْعِلْمُ يَكْسَبُ الْكَبَرَ وَالْفَخْرَ لِصَاحِبِهِ سَوَاءٌ كَانَ صَغيرًا أَمْ كَبيرًا. فَاسْعَ إِلَى الْعِلْمِ وَلا تَكْفُ عَنْ طَلَبِهِ لِتَحْصُلَ عَلَى الْفَائِدَةِ وَالْكَرَامَةِ.

ولرُب نازلة يضيقُ لها الفتى

“وَلَرُبَّ نَازِلَة ٍ يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى
ذرعاً، وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلمَّا استحكمت حلقاتها
فرُجت، وكنتُ أظنُّها لا تفرجُ”.

تُعَلّمُنا هذه الْأَبْيَاتُ أَنّ الْحَيَاةَ مُلْتَئِمَةٌ بِالْمُصَاعِبِ وَالْأَحْدَاثِ الْمُؤْلِمَةِ. وَلَكِنّ اللّه هُوَ الْمُخْلِصُ وَالْمُفَرّجُ عَنِ الْكُرُبِ. فَاصْبِرْ عَلَى الْمُصَاعِبِ وَتَوَكّلْ عَلَى الله فَإِنّهُ لَنْ يَخْذُلَكَ. فَأَنْتَ تَظُنّ بِأَنّ الْمُشْكِلَةَ لَنْ تَفْرُجَ وَلَكِنّ الله يُفَرّجُ عَنْكَ وَيُخْرِجُكَ مِنْ مُصَاعِبِكَ بِكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ.

يُخاطبني السَّفيهُ بكلّ قبحٍ

“يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ
فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا
يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلماً
كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا”.

تُعَلّمُنا هذه الْأَبْيَاتُ أَنّ الْحِكْمَةَ وَالْكَرَامَةَ فِي الْصّبْرِ عَلَى سُفَاهَةِ الْأَشْخَاسِ وَالْأَجْرَاءِ بِالْحِكْمَةِ وَالْرّفْعَةِ. فَلا تَكُنْ كَالْسّفِيهِ الّذِي يُجَادِلُ بِالْقَبَاحَةِ وَالتّصّرفِ بِالْغَضَبِ. وَلَكِنْ كُنْ كَالْعُودِ الّذِي يُصبحُ أَطْيَبَ رِيحًا بِالْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ. فَتَوَكّلْ عَلَى الله وَاصْبِرْ عَلَى مُتَقَلّبَاتِ الْحَيَاةِ وَلا تَتَصّرفْ بِالْغَضَبِ وَالْحِرَصِ عَلَى مُجَادَلَةِ الْسّفَاهَةِ.

كلما أدبني الدهر

“كلما أدبني الدهر
أراني نقصَ عقلي
وإذا ما ازددت علماً
زادني علماً بجهلي”.

فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يُعَبّرُ الشّافعي عَنْ تَجْرِبَتِهِ فِي الْحَيَاةِ وَأَنّ مُرُورَ الْأَيّامِ وَالْأَحْدَاثِ يُعَلّمُ الْإِنْسَانَ وَيُبَيّنُ لَهُ نَقْصَهُ وَجَهْلَهُ. فَكُلّما زَادَ الْعِلْمُ وَالْفَهْمُ يُصبحُ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ وعيًا بِنَقْصِهِ وَجَهْلِهِ. فَلا يَتَكَبّرْ الْإِنْسَانُ عَلَى عِلْمِهِ وَلا يَظُنّ أَنّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى الْكَمَالِ. فَالْحَيَاةُ مُتَغَيّرَةٌ، وَالْعِلْمُ مُتَجَدّدٌ وَالْإِنْسَانُ فِي سَبِيلِ التّعَلّمِ وَالتّطوّرِ دَائِمًا.

وأنطقت الدَّراهمُ بعدَ صمتٍ

“وأنطقتِ الدَّراهمُ بعدَ صمتٍ
أناساً بعدما كانوا سكوتاً
فما عطفوا على أحدٍ بفضلٍ
ولا عرفوا لمكرمةثبوتا”.

يُعَبّرُ الشّافعي فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَنْ حَالِ الْبَعْضِ مِنَ النّاسِ الّذِينَ يُؤْثِرُونَ الْمَالَ عَلَى الْخَطْرَ وَالْإِحْسَانِ. فَالْمَالُ يُنَطِقُ بِالْأَصْوَاتِ وَالْكَلِمَاتِ الّتِي كَانَتْ صَامِتَةً سَابِقًا، وَيُحَوّلُ الْإِنْسَانَ إِلَى شَخْصٍ أَخَرَ غَيرَ مُتَأَثّرٍ بِالشّعُورِ وَالْإِحْسَاسِ وَالْعَطَفِ. فَلا يَتَصّرفُ بِالْفَضْلِ وَلا يَقْدّرُ الْمَكَارِمَ وَالْأَخْلاقِ.


يُوفّرُ لنا إرثُ الشّافعي ثروة مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِرشَادِ، وَتُعَلّمُنا دُرُوسًا قِيّمة فِي الْحَيَاةِ وَالْتّعَامُلِ مَعَ النّاسِ. وَلا زَالَتْ كَلِمَاتُهُ تُلْهِمُنَا وَتُرشِدُنَا فِي مُسِيرَةِ حَيَاتِنَا.


Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

أجمل أقوال الحكماء

المقال التالي

أجمل أقوال الصباح

مقالات مشابهة