مقدمة
تعتبر صلاة العيد من أبرز شعائر الإسلام التي يحتفل بها المسلمون في كل عام، وهي مناسبة دينية عظيمة تعكس الفرح والسرور بتمام العبادة والطاعة. تختلف الآراء الفقهية حول حكم هذه الصلاة وكيفية أدائها، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في هذا المقال.
الرأي الشرعي في صلاة العيد
تعددت آراء الفقهاء في تحديد الحكم الشرعي لصلاة العيد، وفيما يلي تفصيل لآراء كل مذهب:
- الشافعية: يرون أن صلاة العيد سنة مؤكدة، واستدلوا على ذلك بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها. أما ما ورد من أنه تركها يوم عيد الأضحى في منى، فيُحمل على انشغاله، ورُوي أنه أداها منفرداً. ويستدل بذلك على فضلها للحاج منفرداً حتى في غير منى، بينما الجماعة أفضل لغير الحاج حتى المسافر.
- الحنفية: يعتبرون صلاة العيد واجبة على من تجب عليه صلاة الجمعة، وذلك لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، واستناداً لقوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، فالمراد بها صلاة العيد.
- المالكية: يقولون بأن صلاة العيد سنة واجبة على الأعيان من المسلمين ممن تجب عليهم الجمعة، أي كل ذكر حر مقيم في البلد. ولا تجب على من لا تلزمه الجمعة كالنساء، بل تستحب لهن، ولمن فاتته. ولا تشرع لغير المقيم أو الخارج من البلد، ولا للحاج لأنه في المشعر الحرام، ولا لمن هو في منى حتى لو لم يكن حاجاً. واستدلوا بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وبقوله حين سُئل عما يتوجب على المسلم من الصلوات: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليَومِ واللَّيْلَةِ. فَقالَ: هلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ)، مما يعني أن ما سواها ليس بفريضة.
- الحنابلة: يرون أن صلاة العيد فرض كفاية، واستدلوا بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها، امتثالاً لأمر الله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، وصلاة العيد من شعائر الإسلام الظاهرة.
ضوابط وأحكام متعلقة بصلاة العيد
هناك عدة أحكام وضوابط تتعلق بصلاة العيد يجب على المسلم معرفتها والالتزام بها:
- تحديد وقتها.
- مكان أدائها.
- كيفية الدعوة إليها.
- وصف طريقة أدائها.
تحديد وقت صلاة العيد
اتفق العلماء على أن وقت صلاة العيد يبدأ بعد شروق الشمس بحوالي نصف ساعة، أي حين ترتفع الشمس في الأفق قدر رمح أو رمحين، وينتهي قبل وقت صلاة الظهر، وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حين طلوع الشمس. ويسن التعجيل في أداء صلاة عيد الأضحى ليوافق المسلمون الحجاج في نحر الأضاحي والهدي، أما في عيد الفطر، فالسنة تأخير الصلاة ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة. ويدل على ذلك ما ورد في السنة النبوية من أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عامله في نجران عمرو بن حزم قائلاً له: (أن عجِّل الأضحى، وأخر الفطر، وذكِّر الناس).
تحديد مكان صلاة العيد
اختلف العلماء في المكان الذي تؤدى فيه صلاة العيد، ولهم في ذلك قولان:
- القول الأول: يرى جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة أن السنة في صلاة العيد أداؤها في الصحراء أو أي مكان واسع إلا إذا وجد عذر يمنع من ذلك كالمطر أو الضعف. واستدلوا بما روي في السنة النبوية، كما أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخْرُجُ يَومَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يَبْدَأُ به الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، والنَّاسُ جُلُوسٌ علَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، ويُوصِيهِمْ، ويَأْمُرُهُمْ)، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: “من السنة أن يمشى الرجل إلى المصلى، والخروج يوم العيد من السنة، ولا يخرج إلى المسجد إلا ضعيفاً أو مريضاً”، وقالوا لو كان لصلاة العيد في المسجد ميزة عنها في الصحراء، لما أداها النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، وهو القائل: (صلاةٌ في مسجِدِي هذا أفْضَلُ من ألْفِ صلاةٍ فِيما سِواهُ من المساجِدِ إلا المسْجِدَ الحرامَ ، و صلاةٌ في المسْجِدِ الحرامِ أفضلُ من صلاةٍ في مَسْجِدِي هذا بِمِائةِ صلاة).
- القول الثاني: خالف الشافعية جمهور العلماء، فقالوا بأفضلية صلاة العيد في المساجد إن كانت كبيرة تتسع لأعداد المسلمين، استدلالاً بأن المساجد أنظف وأشرف.
كيفية الدعوة لصلاة العيد
تختلف صلاة العيد عن غيرها من الصلوات في عدم وجود أذان أو إقامة لها، واختلف في النداء إليها بقول: “الصلاة جامعة” لدعوة الناس إليها، فذهب بعض الفقهاء إلى مشروعية النداء بها، وقال آخرون بعدم مشروعيتها لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضي الله عنهم. ومما يدل على عدم رفع الأذان والإقامة لصلاة العيد ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَرْسَلَ إلى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ ما بُويِعَ له، أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَومَ الفِطْرِ، فلا تُؤَذِّنْ لَهَا، قالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابنُ الزُّبَيْرِ يَومَهُ، وَأَرْسَلَ إلَيْهِ مع ذلكَ: إنَّما الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وإنَّ ذلكَ قدْ كانَ يُفْعَلُ، قالَ: فَصَلَّى ابنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ الخُطْبَةِ)، كما أخرج مسلم عن جابر بن سُمرة رضي الله عنه أنه قال: (صَلَّيْتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ العِيدَيْنِ، غيرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بغيرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ).
وصف طريقة أداء صلاة العيد
اتفق العلماء على أن صلاة العيد ركعتان، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (صلاةُ الأضحى ركعتان، وصلاةُ الجُمُعةِ ركعتان، وصلاةُ الفِطْرِ ركعتان، وصلاةُ المسافرِ ركعتان، تمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، على لسانِ نبيِّكم وقد خاب مَنِ افْتَرَى)، وينوي الإمام والمأموم أداء صلاة العيد بقولهم: “إني نويت صلاة العيد لله تعالى”، وذلك عند جمهور العلماء، بينما لا تشرع النية باللسان عند المالكية. ويكبر المصلي تكبيرة الإحرام، ثم ثلاث تكبيرات عند الحنفية في الركعة الأولى والثانية، وسبع تكبيرات في الأولى وخمساً في الثانية عند الشافعية، أما المالكية والحنابلة فقالوا بأنها ست تكبيرات في الركعة الأولى وخمس في الثانية، وتؤدى التكبيرات قبل القراءة سواء في الركعة الأولى أو الثانية، بينما قال الحنفية إنها تكون بعد القراءة في الركعة الثانية فقط دون الأولى. ومما يدل على مشروعية التكبير ما روي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما في صفة صلاة العيد إذ قال: (يُكبِّرُ تسعًا تكبيرةً يفتتحُ بها الصلاةَ ثم يُكبِّرُ ثلاثًا ثم يقرأُ سورةً ثم يُكبِّرُ ثم يركعُ ثم يقومُ فيقرأُ سورةً ثم يُكبِّرُ أربعًا يركعُ بإحداهنَّ)، وما روي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (شَهِدتُ الأضحى والفِطْرَ مع أبي هُرَيرةَ، فكبَّرَ في الركعةِ الأولى سَبعَ تكبيراتٍ قبلَ القراءةِ، وفي الآخِرةِ خمسَ تكبيراتٍ قبلَ القراءةِ).
أما فيما يتعلق بالقراءة بعد قراءة سورة الفاتحة، فقد ذهب جمهور العلماء من المالكية والحنفية والحنابلة إلى سنية قراءة سورة الأعلى في الركعة الأولى، وسورة الغاشية في الركعة الثانية، وذلك بعد قراءة سورة الفاتحة في كلتيهما، أما المالكية فقالوا بقراءة سورة الشمس في الركعة الثانية، وقال الشافعية بقراءة سورة ق في الركعة الأولى وسورة القمر في الثانية، وقد استدلوا بما أخرجه الترمذي عن أبي الواقد رضي الله عنه: (أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سأل أبا واقدٍ اللَّيثيَّ : ما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقرأُ به في الفِطرِ، والأضْحى؟ قال: كان يقرأُ ب (ق وَالقُرآنِ المجيدِ) و (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ))، كما قال الشافعية بجواز قراءة سورة الأعلى في الركعة الأولى وسورة الغاشية في الثانية لثبوت ذلك في الصحيح عن النبي، بما أخرجه مسلم، كما قالوا أيضاً بقراءة سورة الكافرون في الأولى وسورة الإخلاص في الثانية.
أهمية خطبة العيد
خطبة العيد سنة عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، ومندوبة عند المالكية، وتكون خطبتين بعد صلاة العيد، بخلاف صلاة الجمعة التي تؤدى خطبتها قبل الصلاة، ويجلس الإمام بينهما عند الشافعية والمالكية والحنابلة، بخلاف الحنفية، ويتم في خطبة العيد تذكير المسلمين بما يتعلق بأحكام العيد، فإن كان عيد الفطر فيذكرهم الإمام بالأحكام المتعلقة بزكاة الفطر، وإن كان عيد الأضحى فيذكرهم بأحكام الأضحية وما يتعلق بأيام التشريق من مسائل.
حكم صلاة العيد للمنفرد
اختلف العلماء في حكم أداء المسلم لصلاة العيد منفرداً إن فاتته الجماعة، وذهبوا في ذلك إلى قولين:
- القول الأول: قال كل من الحنفية والمالكية بعدم جواز قضاء صلاة العيد لمن فاتته، أي أنها لا تؤدى إلا جماعة، إذ إنها محددة بوقت لا تؤدى في غيره من الأوقات، كما أنها من النوافل ولا يصح لها القضاء، إضافة إلى أنه لا بد فيها من عدة شروط لا تتحقق فيمن يصلي منفرداً.
- القول الثاني: قال الشافعية والحنابلة بأن صلاة العيد سنة للمنفرد، فمن فاتته الجماعة مع الإمام، فإنه يسن له القضاء بالهيئة التي تصلى بها جماعة، فقضاء الصلاة يكون على الهيئة التي تؤدى بها، مع الإشارة إلى أن القضاء يكون في أي وقت، فيجوز في أيام العيد أو فيما بعده، إلا أن الأفضل في القضاء أن يكون في اليوم الأول من العيد، أما المسبوق في صلاة العيد، فإن أدرك الإمام في التشهد فينهي الصلاة معه، ثم يأتي بما فاته بالهيئة التي تؤدى بها، بينما إن أدرك الإمام وهو يخطب بعد أداء الصلاة، فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم يجلس للاستماع إلى الخطبة، ثم يقضي صلاة العيد خلال بقية اليوم سواء قبل زوال الشمس أو بعده، بالهيئة والكيفية ذاتها.








