الرأي الشرعي في صلاة التراويح
اختلف الفقهاء في تحديد الرأي الشرعي لصلاة التراويح، ويمكن تلخيص آرائهم على النحو التالي:
- الحنفية: يعتبر المذهب الحنفي أن صلاة التراويح سنة مؤكدة، استناداً إلى مواظبة الخلفاء الراشدين عليها. وهي سنة للرجال والنساء على حد سواء.[1]
- المالكية: يرى المالكية أن صلاة التراويح مندوبة ندباً مؤكداً، وهذا الحكم يشمل كلا الجنسين، مستندين إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة:
“من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفر لهُ ما تقدَّم من ذنبهِ، ومن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفر لهُ ما تقدَّم من ذنبهِ.” [2][3]
- الشافعية والحنابلة: يذهب الشافعية إلى أن صلاة التراويح سنة، مستندين إلى الإجماع في ذلك.[4] أما الحنابلة، فيرون أن صلاة التراويح من السنن المؤكدة التي سنها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهي من شعائر الإسلام الظاهرة. واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها:
“أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ في المَسْجِدِ، فَصَلَّى بصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إليهِم رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قالَ: قدْ رَأَيْتُ الذي صَنَعْتُمْ ولَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ علَيْكُم وذلكَ في رَمَضَانَ.” [5][6]
التأصيل الشرعي لصلاة التراويح
تُعرّف صلاة التراويح بأنها الصلاة التي يؤديها المسلم في ليالي شهر رمضان، وهي سنة خاصة بهذا الشهر الفضيل. لقد خص الله شهر رمضان بالصيام والقيام؛ فالصيام يدفع الإنسان إلى قمة النشاط في العبادة والتقرب إلى الله، بينما في القيام يُسمع القرآن الكريم، ويزداد الإيمان، وتعتاد الجوارح على الطاعة.[7]
الرأي الشرعي في صلاة التراويح جماعة
اعتبار الجماعة في صلاة التراويح
تعددت آراء الفقهاء في اعتبار الجماعة في صلاة التراويح، وتفصيل ذلك كالتالي:
- الحنفية: ذهب الحنفية إلى أن الجماعة في صلاة التراويح سنة على الكفاية، فإذا أداها البعض جماعة، كان ذلك كافياً عن الباقين. وإذا تركها الجميع، كان ذلك مكروهاً لترك السنة. ومن تخلف عن الجماعة في المسجد فقد فاته أجرها. وإذا أداها أحدهم جماعة في البيت مع وجود جماعة في المسجد، فقد أساءوا جميعاً. وأشاروا إلى أن كل صلاة تسن فيها الجماعة، فإن صلاتها في المسجد أفضل، وخاصة بالنسبة للعالم الذي يقتدي به الناس.[8]
- المالكية: يرون أن صلاة التراويح في جماعة مستحبة، استمراراً لعمل الصحابة منذ عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جمع الناس على صلاتها جماعة. أما من خشي الرياء، فصلاته منفرداً أفضل؛ سواء صلاها في البيت جماعة أو وحده، بشرط أن تكون صلاته في البيت أنشط له من المسجد، وألا يؤدي ذلك إلى تعطيل الجماعة في المسجد.[9]
- الشافعية: يعتبرون صلاة التراويح في جماعة سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس عليها عدة ليال، ثم ترك ذلك خشية أن تفرض عليهم. وقد جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس عليها، فجعل للرجال إماماً هو أبي بن كعب، وللنساء إماماً هو سليمان بن أبي حثمة.[10]
- الحنابلة: يوافقون الشافعية في أن صلاة التراويح سنة في جماعة.[11]
تفضيل صلاة التراويح جماعة أم فردية
اختلف الفقهاء في تفضيل صلاة التراويح جماعة أو فرادى، وذلك على النحو الآتي:
- المالكية: يرى المالكية أن صلاة التراويح في البيت منفرداً أفضل، استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“فإنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلَّا المَكْتُوبَةَ” [12]
وذلك مخالفة لمن فضل صلاتها في جماعة في المسجد.[13] كما يرون أن أداء التراويح منفرداً في البيت أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، ما لم يؤد ذلك إلى تعطيل الجماعة في المسجد.[14]
- الحنفية: يذهب الحنفية إلى أن صلاة السنن في البيت أفضل، باستثناء صلاة التراويح، فإن صلاتها في المسجد في جماعة أفضل، لأن بداية تشريعها كان في جماعة.[15]
- الشافعية: يرى الشافعية في الأصح عندهم أن صلاة التراويح في جماعة أفضل من صلاتها بشكل منفرد، بدليل إجماع الصحابة على أدائها في جماعة.[16]
- الحنابلة: يرى الحنابلة أن أداء صلاة التراويح في جماعة أفضل من أدائها بشكل منفرد، واستدلوا بفعل الصحابة، وروى البيهقي أن علياً رضي الله عنه كان يجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً لأدائها.[6]
المراجع
- أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى ( 2007)،منحة السلوك في شرح تحفة الملوك(الطبعة الأولى)، قطر : وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، صفحة 149. بتصرّف.
- رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن أبو هريرة ، الصفحة أو الرقم: 5042 ، صحيح.
- كوكب عبيد (1986)،فقه العبادات على المذهب المالكي(الطبعة الأولى)، دمشق: مطبعة الإنشاء، صفحة 195. بتصرّف.
- أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة (1995)،حاشيتا قليوبي وعميرة(الطبعة بدون طبعة)، بيروت: دار الفكر، صفحة 248، جزء 1. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 1129، صحيح.
- أبمنصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي،كشاف القناع عن متن الإقناع، : دار الكتب العلمية، صفحة 425، جزء 1. بتصرّف.
- ” صلاة التراويح”،www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-3-2020. بتصرّف.
- ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز عابدين الدمشقي الحنفي ( 1992)،رد المحتار على الدر المختار(الطبعة الثانية)، بيروت: دار الفكر، صفحة 45، جزء 2. بتصرّف.
- محمد بن عبدالله الخرشي المالكي أبو عبدالله ،شرح مختصر خليل للخرشي(الطبعة بدون طبعة)، بيروت: دار الفكر للطباعة، صفحة 7، جزء 2. بتصرّف.
- شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (1994)،مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج(الطبعة الأولى)، : دار الكتب العلمية، صفحة 460، جزء 1. بتصرّف.
- مصطفى بن سعد بن عبده الدمشقي الحنبلي (1994)،مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى(الطبعة الثانية)، : المكتب الإسلامي، صفحة 563، جزء 1. بتصرّف.
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن زيد بن ثابت، الصفحة أو الرقم: 731، صحيح.
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (1999)،الإشراف على نكت مسائل الخلاف(الطبعة الأولى)، : دار ابن حزم، صفحة 291، جزء 1. بتصرّف.
- محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (1989)،منح الجليل شرح مختصر خليل(الطبعة بدون طبعة )، بيروت: دار الفكر، صفحة 342، جزء 1. بتصرّف.
- عبدالله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل الحنفي (1937)،الاختيار لتعليل المختار، القاهرة: مطبعة الحلبي، صفحة 70، جزء 1. بتصرّف.
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي ،المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))، : دار الفكر، صفحة 35، جزء 4. بتصرّف.








